السبت، 8 مارس، 2014

المكتبة القاسمية

نشر في إصدار لوزارة الثقافة بعنوان:
 (دور الخواص في حماية الممتلكات الثقافية، التراث المخطوط نموذجا)
الجزائر 2013

تمهيد

حيثما كانت الحضارة كانت هناك مكتبة، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، نقرأ قديما عن المكتبة الملكية بنينوى في حضارة الآشوريين،  ومكتبة الإسكندرية بمصر، وبيت الحكمة ببغداد، ونجد الآن من أشهرها مكتبة الكونغرس بالولايات المتحدة، ومكتبة المتحف البريطاني بإنجلترا، ومكتبة بطرسبرغ بروسيا، وعلى مستوى الأفراد نسمع قديما عن مكتبة السيوطي، ومكتبة الزبيدي، وحديثا عن مكتبة الكتاني، ومكتبة عارف حكمت، وغير هذه وتلك كثير، ولعلّ من أشهر المكتبات الخاصة في المغرب العربي المكتبة القاسمية بالجزائر.

التأسيس

تأسست المكتبة القاسمية على يد جد الأسرة القاسمية الشيخ محمد بن عبد الرحيم بن سائب الشريف الحسني الهاملي، في غضون القرن (12 هـ/ 18 م)، وتم توثيقها على يد حفيده الشيخ أبي القاسم بن ربيح (1273هـ /1856م) الذي تنسب إليه الأسرة،فحرّر وقفا لمكتبته على ولديه مُحمد ومَحمد، وازدهرت المكتبة بعد تأسيس زاوية الهامل عام 1862، فاعتنى مؤسسها الشيخ مُحمد بن أبي القاسم بمكتبة أبيه وجدّه، وزاد عليها أضعافا مضاعفة، وأهمّ ما هو موجود في المكتبة الآن إنما هو من مكتسبات وتراث الشيخ محمد بن أبي القاسم، إذ أنفق أموالا معتبرة لشراء الكتب المخطوطة والمطبوعة. ولاستنساخ الكتب التي تعذّر عليه شراؤها، إذ يستعيرها من أصحابها ويكلّف الطلبة بنقلها نقلا حرفيا. كما اعتنى خلفاؤه من بعده بالمكتبة محافظة وإثراء إلى يومنا هذا.

المقتنيات

زاوية الهامل بمجتمعها الصغير المكوّن من الأسرة القاسمية ومن طلبة الزاوية ومن أتباعها وجيرانها، احتفظت للتراث الإنساني، وليس فقط القُطري أو العربي الإسلامي، بل بكلّ ما تحمل كلمة الإنساني من معانٍ، بتراث عظيم، إذ نجد فيها مخطوطات نادرة كتبت منذ ثمانية قرون، ومخطوطات كتبت في الأندلس أيام كانت الأندلس حاضرة من حواضر الإسلام، وأخرى كتبت في الهند وفي إفريقيا، وفي سمرقند، فضلا عن المغرب العربي ومصر والشام والحجاز وتركيا، ومنها بخطوط مؤلفيها، وعلماء وكبار، ومنها ملك لبعض الأمراء، ومنها باللغات التركية والفارسية وحتى اللاتينية. ومنها ما كان مقياسا ومرجعا لفن الخط العربيّ ورونقه الذي اشتهر به المسلمون لتعذّر الرسم عليهم بناء على أسس دينية. ومنها كثير من الوثائق التي احتفظت بها المكتبة عبر أجيال، وإن كانت ذات طابع خاص برجال الزاوية إذ هي في معظمها مراسلات من بعض أعلام وعلماء العالم الإسلامي. كما احتفظت المكتبة القاسمية بعدّة مطبوعات قديمة تعتبر من كنوز العالم منها كتاب القانون لابن سينا الذي طبع في روما سنة 1593، وبعض مطبوعات نابليون في المكتبة السلطانية، والمطبوعات الحجرية في فاس ومصر، والهند، وتركيا، ومطبوعات ردوسي وفونتانا بالجزائر وغير ذلك. ولا بأس إذا قلنا أنّ المكتبة تحتفظ الآن أيضا بمجموعة محترمة من الجرائد القديمة، كالمبشر والمنتخب والسعادة وغيرها مما كان في نهاية القرن التاسع عشر، فضلا عن جرائد القرن العشرين إلى غاية ثورة التحرير الجزائرية سنة 1954.وإلى جانب الكتب والوثائق توجد في المكتبة أيضا مقتنيات نادرة كبعض أسلحة الأمير عبد القادر، وصور وتحف من نحاس وبرونز، ومسكوكات، ومصنوعات جلدية وخشبية وفخارية قديمة تعود إلى قرنين فأكثر. ([1])

الفهرسة

نشرت أوّل فهرسة لبعض هذه المكتبة على نطاق واسع، سنة 1897 باللّغة الفرنسيّة من إعداد المستشرق الفرنسيّ رينيه باسيه، في المجلة الإفريقية، ومستقلة، شملت اثنين وخمسين عنوانا، اقتصر فيها على عنوان المخطوط ومؤلّفه وذكر وفاته، وعدد نسخه، والنسخ المذكورة منه في فهارس مكتبات أخرى، وتاريخ طبعه إن كان. ثمّ تعدّدت الفهارس التي لم تنشر لهذه المكتبة على يد الشريف بن محمّد بن أحمد المقراني مطلع القرن العشرين والشيخ محمّد بن عبد العزيز الفاطمي سنة 1933، والشيخ محمّد بنعزوز القاسميّ مرارا، والطاهر القاسميّ الحسني رفقة محمد فؤاد القاسميّ الحسنيّ 1986، ثمّ فهرسة نشرت سنة 1999على مستوى الجامعات من إعداد أبو الأنوار دحيّة ومحمّد فؤاد القاسميّ، شملت ثلاثمائة عنوانا مرتّبة على الأرقام، وأخيرا قمنا بإنجاز فهرسة هي الأكمل اشتملت على أكثر من سبعمائة عنوان في نحو ألفي مجلد مخطوط، بالإضافة إلى جرد بمعظم الوثائق الموجودة بالمكتبة القاسمية، بوصف علمي دقيق، نشرت في لبنان سنة 2006.([2])

الحفظ

سألني بعض أهل الاختصاص عن سر بقاء مخطوطات المكتبة القاسمية سليمة من الآفات البيولوجية والعوامل الطبيعية، المؤثرة في الغالب سلبا على هذا التراث، أهي وصفات كيماوية أم ماذا، والجواب الذي حضرني أنّ الأمر يتعلّق أوّلا بطبيعة المنطقة الجافة مع اعتدال درجة الحرارة فيها، فالرطوبة الموجودة في شمال الجزائر والحرارة الشديدة في جنوبها لكليهما تأثير سلبي على المخطوطات. ثانيا طريقة البناء الذي تتواجد به المكتبة، إذ هو بناء محكم من مواد طبيعية مستخرجة من المنطقة ذاتها، جدران سميكة من الحجارة والطين، وأسقف قباب وأقواس من الآجر المحلي. ثالثا خزائن الكتب من خشب السنديان، وهو من أجود أنواع الخشب، رابعا طريقة وضع الكتب كانت دوما بطريقة أفقية، ما يحدث ضغطا على الكتب يمنع من دخول الحشرات، وهي الطريقة التي حفظت للبشر تراثهم منذ قرون،  واستنكرها البعض مؤخرا ثمّ عادوا إليها. خامسا التفقد المستمر لأمناء المكتبة للمخطوطات في كل موسم. وأخيرا لعلّ أهمّ عامل ساعد على بقاء الكتب في حالة جيدة هو حجبها إلاّ على من كان أهلا لرؤيتها. فبطبيعة الحال كان ولا يزال نظام تسيير المكتبة وفق المستويات، فكتب المتون المعبّر عنها الآن بالكتب المدرسيّة كانت في متناول كلّ طالب مستحق، وكتب الاختصاص تكون بإشراف الأساتذة، أمّا الكتب النادرة والنفيسة فهي في الخزانة الخاصة للشيخ لا تُرى إلاّ بإذنه.

الخدمات

كان الشيخ محمّد بن أبي القاسم صاحب الفضل في نقل واستنساخ المخطوطات التي لم يتمكن من حيازتها، ثم كان هو أول من خطى خطوة في نشر الكتب في المنطقة، إذ قام بنشر كتب كثيرة منها كتاب المنظومة الرحمانية بشرح ابن المؤلف في تونس سنة 1890، والزهر الباسم للقاسمي، ورفع النقاب، وتفضيل البادية، والمناظرة بين العلم والجهل، للديسي، وغيرها، وساهم رجال الزاوية في نشر كتب أخرى في المغرب وتونس والجزائر ومصر. كالبستان لابن أبي مريم، ومنار الإشراف لعاشور الخنقي ووسيلة المتوسلين للقسنطيني وترتيب المدارك للقاضي عياض، وغير ذلك كثير، إلى أن تأسست دار الخليل التي تواصل السير على هذا النحو لنشر ما أمكن من هذا التراث العظيم، فقامت بنشر كتاب الإرشاد للثعالبي، وأنيس الجليس لابن الحاج، وفتح المولى للفكون، ورسائل المقري، وغير ذلك ن تراثنا الجزائري.
كما فتحت المكتبة القاسمية المجال واسعا أمام الباحثين، ولاسيما في العقد الأخير بعد التطور التكنولوجي الذي يسّر تواصل الأفراد ووصول المعلومات، فاستفاد منها كثير من طلبة الجامعات الجزائرية، بالإضافة إلى باحثين في الحجاز والإمارات ومصر والمغرب وألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات واليابان.
بالإضافة إلى تمكينها مركز الأرشيف الوطني الجزائري من معظم الوثائق والصور التي بحوزتها، وتعاونها مع مراكز بحث علمية كمركز جمعة الماجد بالإمارات العربية الذي قام بتصوير عدة مخطوطات تصويرا رقميا لتكون في متناول الطلبة والباحثين هناك.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المكتبة ساهمت في عدّة معارض دولية مشتركة بمخطوطاتها النادرة كان آخرها في برنامج تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية 2011. ([3])

الأهداف

لا شكّ أن دور المكتبات في تطوّر المجتمعات معروف منذ القدم، كما أنّ وجود المكتبات دليل على هذا التطوّر، وكلما وجدنا مكتبة في بيت ما أدركنا من خلالها توجه أهل ذلك البيت ومستواهم، فالمكتبة القاسمية مكتبة تظم متونا ينسجم أغلبها مع توجّه مسلمي المغرب العربي ويخدم في الوقت ذاته هذا التوجه، المدرسة الأشعرية في العقيدة، والمالكية في الفقه، والصوفية في السلوك، وورش في القراءات، هذا هو الإطار العام، الذي لا ينتفي معه وجود غيره كفقه الأحناف والشافعية والإباضية، وبعض عقائد أهل السنة، بالإضافة إلى كتب بقية الفنون كاللغة والأدب والتاريخ وغير ذلك. فكان ولا يزال هدف هذه المكتبة والقائمين عليها هو تثقيف المجتمع وتعليمه وتهذيبه وفي العموم نشر الإسلام وإفشاء السلام.
محمد فؤاد القاسمي الحسني



[1]) ينظروثائق تاريخية من المكتبة القاسمية، المقدمة، محمد فؤاد القاسمي الحسني، دار الخليل القاسمي، 2013، الجزائر. 
[2]) ينظرفهرسة مخطوطات المكتبة القاسمية، المقدمة، محمد فؤاد القاسمي الحسني، دار الغرب الإسلامي، 2006، بيروت، لبنان. 
[3]) ينظرالتعليم في زاوية الهامل قبل استقلال الجزائر، محمد فؤاد القاسمي الحسني،  Published by the journal of Sophia Asian Studies N° 30 .2012.