الخميس، 26 مارس، 2009

المسعدي
وتوجد إن علمت ولو فقدتا
عبد القادر بن إبراهيم المسعديّ النائليّ 1376 - 1302 هـ / 1956 - 1884 م
إنّ من البيان لسحرا، وإنّ من الأدب لرونقا وجمالا، فسبحان الذي أخرج حديثه من حيّه، ومرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، ومن كلّ يؤكل طريّ وتستخرج حليّ. كانت الكلمة وقد غنيت عن التجمّل تفئد القلوب لأنّها استنزلت منها فنزلت فيها، وآلت وقد اصطحبت ما شيء لها ولا تجاوز الحناجر.
بدا لي أن أنشر الرسالة التالية بعد ما تجافى الأدب وسار على أخمصه سير الوجل، وتردّدت خشية أن تضلّل الطريق في زمن طمست فيه معالم وبدّلت أخرى، وتاه في شعاب مكّة أهلها، فتقع بين يدي من استوت عنده الأمور استواء غفلة، فيوسعها بنعته راشحا بما فيه، ووقفت بين منع الحكمة أهلها ومنحها غير أهلها، موقف الراعي حول الحمى، والحال أنّنا في حيّز اجتزأ من اسمه نصيبا، تتدافع أقسامه فيه ولا تلوي على شيء كمحاولتها نقض موجود وإيجاد منعدم، فتنشر أمواتا نشرات ويقبر أحياء مقبورون، وينعم أخوها في الشقاوة، ومن تفقّد شطر العنوان وجد صدره: وتفقد إن جهلت وأنت باق... ولكنّ حسن الظنّ حالف، فلا عدم المجال وعاة جمال، يعطون لكلّ ذي حقّ حقّه وينصف رأيهم منتصفا، وما ينفع يمكث ويبني للمعالي إنّما يرفع اللّه ومن شاء وضع.
كتب عادل نويهض عن صاحب الرسالة في الصفحة 298 من كتابه أعلام الجزائر سطورا، إذا أغنت فلا تسمن، والأمر نفسه في الشعر الدينيّ الجزائريّ الحديث للدكتور عبد اللّه ركيبي في الفصل الأول من الباب الأوّل، صفحة 188، وفي الملحق، صفحة 721، ولم ينأ عنهما في ذلك الدكتور سعد اللّه في تاريخ الجزائر الثقافي، الصفحة 46 من الجزء الثامن، والأرجح أنّ العيب ليس منهم لافتقارهم للمادّة وللوقت الذي يفترض بذله للتأريخ، وليس فيمن يملكونهما لافتقارهم إلى الأدوات ولعدم تطلّعهم إلى الغايات المنشودة في هذا الزمن، والسؤال لا يبقى مطروحا، لعدم جدواه، فالأهمّ منه الآن هو البحث عن سيرة هذا الرجل الذي ترك من التراث الأدبي ما فيه متّسع لباحث يبحث.
فنسبة صاحبنا إلى أولاد نائل تكفي لمعرفة أصله، فالأصل والفرع أشهر من نار على علم، وقد يكون تحديدا من بني عبد الرحمن بن سالم نظرا إلى مدحه إيّاهم في الرسالة. ونسبته إلى مسعد تفيد المدينة الواقعة في ولاية الجلفة إلى الجنوب منها تجاه مدينة الأغواط. ويستفاد من الرسالة كونها موجّهة إلى الشيخ محمّد بن عبد الرحمن الديسيّ [1] ملاحظتان، الأوّلى أنّها جواب على رسالة، خاصة أو عامّة، من الديسيّ إلى المسعديّ موضوعها أدبيّ، لا يستبعد تعدّد مثيلاتها لتكون في شكل النقائض الأدبيّة أو المطارحات الشعريّة، ولكن في مستوى العلاقة بين أديب وأستاذه لما يستشفّ من تدبيج الكاتب ونعته المرسل إليه بمولانا، وقد نستدلّ على هذا بما في ديوان الديسيّ من ممازحة للمسعديّ بقوله:
حقيق بالملامة عبد قادر * ومن يجفو الأحبّة فهو غادر * أمثل اليونسيّة لا يراعي * وشرع الحبّ بالإنصاف آمر * ولو أنصفتها لأتيت حبوا * فسلطان المحبّة أعلى قاهر * ولطف الطبع جذّاب لهذا * وظنّي أنّ حظّك فيه وافر * فإن لم تأت منقادا إليها * فطعبة في رعيل المجد آخر * [2]
وهذا قد يدفعنا إلى الاستفهام عن زمان ومكان تحصيل المسعديّ، وعن شيوخه في هذا الفنّ وفي غيره. الملاحظة الثانية أنّها كتبت قبل تاريخ وفاة الديسيّ طبعا، أي قبل 1922 م، ويكون الكاتب حينها في عزّ شبابه، وبما أنّه جاوز السبعين، فلا شكّ أنّ تراثه الأدبي يكون زاخرا، ولاسيما إذا علمنا من نويهض والركيبيّ أنّه ترك ديوان شعر، وشرحا للامية الأفعال لابن مالك، وما علمناه من روايات شفويّة أنّه ترك شرحا وجيزا للشمقمقيّة التي مطلعها: مهلا على رسلك حادي الأينق * ولا تكلّفها بما لم تطق. لصاحبها ابن ونّان الحميريّ، [3]. وترك أيضا (طرفة البيان في نظم تحفة الإخوان) وهي شرح لنظم الشيخ الطاهر العبيّديّ [4]، لتحفة البيان للدردير [5]، وهذه الطرفة موجودة عند أحد تلامذته في مدينة الجلفة، وأكاد أجزم أن للكاتب آثارا أخرى يطويها إهمال من دنوا ومن نأوا. وأشير في الأخير إلى ما اتّفق عليه نويهض والركيبي من أنّ المسعديّ شاعر تقليديّ وُسم بانضمامه إلى جمعيّة العلماء المسلمين، ولم يلتفت أحد منهما إلى نثره. وهاهي الرسالة أقدّمها مجرّدة مثبتا ما عرفته، راجيا أن يجد الزرع منابت:
رسالة المسعدي

الحمد للّه والصلاة والسلام على رسول اللّه. صبيحة ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر. أفضل من أسلمت إليه العلوم زمامها، وأكمل من نشرت عليه الفهوم أعلامها، وأعلى من أعلى منار البيان، وأغلى من علا على خيول التبيان في ميادين العرفان، وغذته البلاغة باللبان، الشيخ سيّدنا محمّد ابن عبد الرحمن. أمّا بعد إهداء سلام يزري بزاهرات الجوق الجوهر، على ترائب الشادن الأحور، والجؤذر الأزهر، والخشف الأعفر، وتحيّات تعطّر بندّها النادي، ويعنو لها الحاضر والبادي، ويحدو بها الحادي، ويشدو بها الشادي، فقد ورد علينا كتاب مولانا المزري بالرياض النواضر، والعيون النواظر، والغيون المواطر، والزهر الزواهر، والبحور الزواخر، متّسقة ألفاظه ولا اتّساق الجواهر، فللّه أنت يا مولانا، لقد أصبت الغرض، وأصبيت المتنسّك والمعترض، بكلام ضاهى قول ابن أبي ربيعة دقّه ورقّه، وسهام كسهم النميريّ إذ عرض، فكنت واسطة عقد الواسطة، وابن بجدة المعارف واللّطائف والطرائف الطريفة والتالدة، وكنت الواسطة، فلا خبا أوارك ولا حار، ولا خفى فخارك ولا خار. هذا وإنّ مولانا ادّعى أنّ جوابنا أحفظه بنبوء عن المقصود غلظ لفظه وغلطه في غلوّه الفاحش المردود، إلى غير ذلك ممّا هنالك، فضحك المملوك حتّى استلقى، وقهقه وما استشاط غلقا ولا استطار فرقا، ولا دعته ميعة النشاط إلى اشتطاط ولا التطاط، لأنّ المحلّ محلّ ممازحة ومطايبة، لا مطارحة ومعاتبة ومعايبة، وقد ضمّنا وإيّاه منتدى المكارمة والمنادمة، لا محفل المخاضمة والملاكمة والمحاكمة، وفرق بين الجدّ والهزل، والجور والعدل، والثريا والندى، والمعام والكرى، ولولا خشية الإفراط والإلعاط لقلت أنّ المولى أكّد بنفسه التهمة وحقّق الظنّة بإفراط، وتحلّى منها بالدمالج والأقراط، وما هول به، أيّده اللّه، من أنّه يجعل الرسالة زيدونيّة بالشواهد والأمثال، على أنّه من أهل السلم والضال، فالمولى أهل لكلّ مثال، فضلا عن القيل والقال والمراء والجدال، فنحن نعزم عليه إن أعاد المكاتبة أو رام المطايبة، أن يجنّبنا قال العارف والسلطان والصوفي ومذهب القوم، فإنّ إيراد ألفاظهم في مثل هذا الموضع وضع لها في غير موضعها، واستعمال لها في غير موضوعها، وليعلم مولانا، وإن رأى عنده ذلك ممّا يستحسن لتأهّله لفهم حقيقته، فإنّه عند عبده ممّا يستهجن لنضوب قريحته، ولكن في أشعار الأدباء والظرفاء متّسع، ولا يقول كلّ الحذاء يحتذي الوقع، وإن كان ممّن يؤثر البادية والجياد العادية، ويعادي التمدّن والرقّة وإن شحطت له الشقّة، وليس حبّه بالخيتعور، فليغد ولا يعدو أقوال أصحاب الجزور، فإنّ الناس عليهم عالة وإن أحسنوا وأفادوا وأبدعوا وأجادوا في المقالة، وفي المثل: كلّ الصيد في جوف الفرا، وهو قال ما كان أن يفترى، ولمّا فتح علينا المالك باب الملاحظة والمواخذة والمناضلة والمنابزة، بتتبّع الكلمات ودفع البيّنات ونصب مجانيق المعارضات ومخانيق المعاتبات التي كادت أن تفضي به إلى المعايبات: أكلّ خليل هكذا غير منصف * وكلّ زمان بالكرام بخيل. فما للسيّد عند المملوك إلاّ ما يسرّ ولا يضرّ، وليس هو ممّن ينشد وينشر: مالك عندي غير سهم وحجر * وغير كبداء شديدة الوتر. بل أقول: هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزّة من أعراضنا ما استحلّتِ. ولقد علم مولانا أنّ باهلة وإن تسربلت أو تبرقعت لا تخيب عند المباهله، فأنا لا أقول كصالح في ثمود، كما يقول من كظّه الجمود، ولكن كابن قريب في باهله، حقّق اللّه منيتي قبل منيّتي، وجعلني لها أهلا وهي بي آهله، أوليس قد قيل: العالم كالكعبة يزهد فيه القرباء ويأتيه الغرباء. بلادي وإن جارت عليّ عزيزة * وأهلي وإن شحّوا عليّ كرام. وقد أوجبتم علينا الردّ بالأرق المجدّي وهذا ممّا يردّ دعوى التحشّر والتبدّي، وفي المثل: صديقك من صدقك لا من صدّقك، فأما أنا فقد وسعني ما وسع عليّ بن الجهم في حضرة المعتصم وباللّه أعتصم. وإنّما ذكرنا له ما ذكرنا لنسبر غور دعواه ونعلم حقيقة ما توخّاه، وفي المثل: ربّ ملوم لا ذنب له، لعلّ لها عذرا وأنت تلوم. ثمّ إنّ المالك ما اكتفى باهتضام جانبنا حتّى شنع على عمر بن أبي ربيعة وأورد كلامه مثالا لريح الصماح والمرق الشنيعة، وإذا كان مولانا يستقدر المشاء والدم ويدّعي النسك، فإنّ ذلك من الغزال هو المسك، فلو كان ابن أبي ربيعة ينشر لقدعه ولبس له جلد النمر ولات حين مفرّ، وظاهر بين درعي المهلهل في حرب البسوس وجسّاس، وانتضى صمصامة عمرو وقال له أليس الإيناس قبل الإبساس، ولا ينفعه حينئذ هجو ولا تقريظ، وحال الجريض دون القريض، ولكان له معه يوم وأيّ يوم، وما يوم حليمة بسرّ. وسؤال مولانا عن الساقي يوم بعلبك ودمشق لعمرو التغلبيّ، مع أنّ الكلام ليس مع ابن كلثوم ولا الموضوع فيه، وهو بريء من بادية الشام، وإنّما الكلام مع مولانا وهو مولد مدرى، وقد سبق بينه وبين البادية خصام وإلزام وإلحاح وإبرام، فكيف يستوي ذو الظنّة والبرئ، أم هل يستوي البدويّ والحضريّ، والفرق بين الرجلين ظاهر بالدليل إن لم يكن عن الإنصاف مظاهرا بالقيل، وفي المثل: أنّى يلتقي السها وسهيل، والتي سارت مشرّقة، والمنكح الثريا سهيلا، قد سمعت به أيّها النبيل. نعم؛ إذا أراد مولانا رفع الملام وقطع الكلام فليمدح بدونا كما كان ذمّه لأنّه لا يغسل ذمّه إلاّ بمدحه، ولا تسبر ركيته بغير متحه، فبذلك نحالفه ولا نخالفه ونوافقه فلا نفارقه ونلاطفه فنعاطفه ونَلزمه ولا نُلزمه ونواصله فلا نفاصله ونؤلّفه فلا نكلّفه ونعطيه ولا نستعطيه ونرضيه ونسترضيه ونؤمّره ولا نأمره ونشكره فلا نكفره، ونتوّجه ونزوّجه ولا نحوجه، ونبقى معه كندماني جديمة إلى أن يؤوب القارظان ويبلى الجديدان ويذهب الأطيبان ويفنى الأسودان ويعود الشباب ويبيضّ القار والغراب، وبعد ذلك نخلد سيرته في بطون الدفاتر، بل نكتبها بالخناجر على الحناجر، ونقول كم ترك أوّل لآخر، هذا كلّه بعد أن نسامحه في إرادة الانتقال التي تشهد عليه أنّه مرتاد، لا يلقي عصاه في بلاد، إذ لو كان حليف غرام وأسير هيام ما زام ولا تحوّل ولو نبا به المنزل، ومعلوم أوصاف المحبّ التذلّل لا التدلّل أو التحوّل والتنقّل، ومع ذلك، إنّ المولى لم يحسن التنقّل والتسيار، فكان كمن استجار من الرمضاء بالنار، فسار متعسّفا على غير طريق، وسفّه رأي المشفق والصديق، ألقى الصحيفة كي يخفّف رحله، والزاد، حتّى نعله ألقاها. أمّا نحن، فلن يعدم منّا مناصحا على تجافيه، ومذ انتحانا وجب تلافيه، فنقول إن دعاك هوى بني سعد والهوى أمر قسريّ وحكم قهري، فلا يعدمنك سعد، وإن كنت مرتادا مستنصحا، وبرأي الأودّاء مستصبحا، فلك في بقر الهادية ما يشغلك عن ظباء البادية، فإنّهن معروفات بالنفور، موصوفات بالحبّ الخيتعور، وإنّما نساء كلب خلقن لرجال كلب، فهذا دواء من طبّ لمن حب. إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع. وإن هوى بك هوى الكرائم إلى ركوب العظائم وإمضاء العزائم وإنضاء الكرائم، وقلت لأستسهلنّ الصعب وأركب الأخطار لبلوغ الأوطار، فأنخ بفناء اخوتنا وأخوالنا بني عبد الرحمن بن سالم، فإنّك جدير بأن تلقى المنى وتلغي العنا، فهو رأس نائل، وأجلّ من بذل النائل، وأفرس من ركب، وأفضل من وهب، وأحمى للذمار، وأبعد عن العار، وأضرب للسيف، وأنأى من كلّ حيف، فلتحيى بجوار يحيى، وأنت السعيد بمساعدة السعيد، فإن أسعداك بالمحالفة فقد أمنت المخالفة، فنقّري ما شئت أن تنقّري، ولك الخيار لدى الأخيار وهم أحقّ بقول الشاعر: ونكرم جارنا ما دام فينا * ونتبعه الكرامة حيث مالا. هذا وإنّ مولانا ادّعى أنّ البيتين أفخر ما قيل في البوادي، وأجلّ ما تعطّرت به النوادي، وذلك على رجوع الضمير من يتوضّعن للساكنات دور دمشق، وهو أمر لا يخلو من إيهام، عنه تنبو بعض الأفهام، وعلى تسليم أنّ لا إيهام ولا موضع لكلام، فإنّ الصماح والمرق لو وضعا في البحر لكدّراه وتعطّلت فيه المنشآت الجواري، أو سميا إلى السماء لانشقّت وحارت فيها الكنّس الجواري، فانكدرت نجومها وتوالت غيومها، أو بديا في البادية لنسفا الرمال وأنزلا العصم من ضُحد الجبال، أو حضرا الحاضرة لهدمت القصور وتوالى الديجور واستوى الإناث والذكور، فمبالغته عليه مردودة عقلا ونقلا وعاده، فلا أسعدته السعادة ولا فدته الإفادة ولا أجابته الإجاده، فلا حبّ عنده فيعذر، ولا قِلى لديه فيذكر، فسواء قوله وبوله، والتعصّب لا يزيل خبث المرق والصماح، وما عسى أن تفعل صيحة في واد وإن عاط المتعصّب وصاح، فناطح بذوات القرون إن رمت النطاح، فإن البغاث لا يستنسر، والفرق بين الفضّة والقضّة إن شاء اللّه متيسّر. وأمّا كون المولى أراد أن يقتدى به فما عليه إلاّ أن يؤمر الأثر كما قال المعتبر. وأمّا هذا فليتركه لصماحه ومرقه والمؤذنين بسحقه ومحقه، على أنّه إن رام منّا تبجيلا وتكريما فلا يكن للخائنين خصيما. وأمّا تعريضه بنقد الأصفر وحانة بنت الأصفر، فلسنا ممّن يقول أعد نظرا ولا راعنا، بل اسمع وانظرنا، فيا للّه، يمين برّ لم يفجر، ما وقفنا لها بدار ولا رشفنا لها رضابا ولا حسونا لها من عقار، ولقد علم المولى أنّ اليمين مأثمة أو مندمة، فنتلو له من الذكر الحكيم، وبذكر اللّه تطمئنّ القلوب يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبا، أو أطعتم بنا الوشاة أو سبقكم القلم ونبا، فأنتم في حلّ عن طيب قلب وصفاء لبّ، فلا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين. وأمّا التعبير بالمجون، الأولى منه التعبير بالمجنون، فليعلم مولانا، أنّ التأنّي خير له من التجنّي، وأنّه واللّه أعلم، ليس المعنيّ بذلك الخطاب، كما يفهم من الجواب، فليتأمّله تأمّل الألمعيّ، ولا يعجز عن وجود العذر إلاّ غبيّ أو عييّ، فما عهدنا بالمالك إلاّ أنّه ثقاب للآلي في حناديس الليالي بفكره المتلألئ الوقّاد ونظره المستجاد، خلّد اللّه أيّامه، وأسعده ببلوغ المنى ومرامه.
وإذ خرجنا من مراتع الهزل ومرابع الفصل، فإنّي سمعت من بعض المحبّين أنّ الخارجيّ الحاج الصالح السجنيّ قد تصدّى للردّ على التوهين وأنّ كتابه قد تمّ ولا مين، وأنّه يطبع في غرّة هذا الشهر بالجزائر فلتكن منه ببال وللّه الكمال، ولينشد مولانا: إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النعل لها حاضره. ينال بذلك سعادة الدنيا وشهادة الأخرى. هذا وليتغافل مولانا، فإنّي كتبته مستعجلا، ولا يسلم من الخطإ عجول، وقد قالت العرب: خير أبنائنا الأبله الغفول، وقال زهير: وذي خطإ في القول يحسب أنّه * مصيب بما يلمم به فهو قائله * عبأت له حلما وأكرمت غيره * وأعرضت عنه وهو باد مقاتله. مع اشتغال البال وتراكم الأهوال، والفقر يخرس الفطن عن حجّته، ويضلّ الهادي عن محجّته، فلكم أتمّ السلام من مقبّل أعتابكم عبد القادر بن إبراهيم وفّقه اللّه. آمين. ويسلّم عليكم الشيخ الطاهر بن العبيديّ وأخوه، وأخونا الروحيّ سيّدي ابن عيّاش بن الطيّب، والمحبّون تماما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] الشيخ محمّد بن عبد الرحمن الديسيّ: 1270 ­ 1340 هـ/ 1845 ­ 1922م. راجع ترجمته في أعلام الجزائر لنويهض: 142 . وتعريف الخلف للحفناوي: 407/2.
[2] راجع ديوان منّة الحنّان المنّان، الجزء الثاني، فصل أشعار مختلفة، صفحة 100 .
[3] هو محمّد بن عبد اللّه ابن مالك أبو عبد اللّه جمال الدين الطائيّ الجيانيّ النحويّ: 600 ­ 672 هـ / 1203 ­ 1274م، صاحب الألفيّة في النحو، راجع ترجمته في الأعلام للزركلي: 233/6 .
[3] هو أحمد بن محمّد أبو العبّاس ابن الونّان التواتي الحميريّ المتوفّى سنة 1187 هـ/ 1773 م، قال الزركلي عن قصيدته في أعلامه، الجزء الأوّل، صفحة 243 وهو يترجم له: (...اشتهرت وشرحها جماعة منهم البطاوري والسلاوي صاحب الاستقصا وطبع شرحه في مجلّدين...).
[4] هو الطاهر بن عليّ بن أبي القاسم بن العبيديّ الجزائرىّ: 1304 ­ 1387 هـ / 1885 ­ 1968 م، راجع ترجمته في تاريخ الجزائر الثقافي الجزء السابع صفحة 132 وعدّة مواضع أخرى منه. وفي مقدّمة طبعة النصيحة العزّوزيّة، له، من صفحة 5 إلى 8، نشر أبي مدين الجلالي، مطبعة حجازي، مصر. وفي مقدّمة طبعة رسالته المسمّاة الستر، تحقيق محمّد محدّه، نشر دار البعث، قسنطينة، 1405هـ/ 1985 م: ص5 إلى ص8 .
[5] هو أحمد بن محمّد بن أحمد بن أبي حامد العدويّ أبو البركات الدردير: 1127 ­ 1201هـ/ 1715 ­ 1786م، [ راجع ترجمته في أعلام الزركلي: 244/1].
انتهت الرسالة التي أرجو أن يحسن موقعها لدى طلاّب الأدب، كما أرجو أن يصلني من كانت له معرفة بالرجل أو بتراثه بما لديه وإن قلّ مشكورا.
إعداد: محمّد فؤاد القاسميّ الحسنيّ.
الرسالتان القلميّتان

الرسالة القلمية لجلال الدين الدواني

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين الرسالة القلميّة للمولي جلال الدين الدواني ن والقلم وما يسطرون، إنّ هذه تذكرة لقوم يعقلون، يا من فاق في البراعة، سألتني عن وصف اليراعة، فاستمع لما يتلي عليك، ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، أم حسبت أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، إذ أوي الفتية إلي الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّء لنا من امرنا رشدا، إنّه في فتى من اصحاب الكهف والرقيم، نشر له ربّه من رحمته وهيّأ له وفقا ورفعة بخطّ مستقيم، نبيّ بعث من سرّة البطحاء، وأيّد بفصاحة أبكمت مصاقع البلغاء، كليم خصّ بالطّور، وكتاب مسطور ورقّ منشور، مصراع سفير، بليغ بشير نذير، قد جاء بالبيّنات والزبر وكتاب منير، قد بلغ من سدرة الشرف منتهاه، ومن سنان المعالي أعلاه، ينتمي في شجرة النسب إلى أوّل ما خلق اللّه، وذو النون إذ ذهب مغاضبا فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين، يقول إذا برز من بطن النون وشرع في الزبور، اللّه وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، ألف يقارن النون إن شدّدت به أنّ، وإن لنت ب ذه اطمأنّ، عالم من اهل الكتاب علا كعبه في الأحبار، ومرّ على سائر الكتب السماويّة من الصحف والأسفار، ذو القرنين يسير الشرق والغرب في أقصر ساعة، استولي على الأقاليم كلّها ومدّ فيها باعا، فصيح جزل الكلام، لكن لا ينفكّ كلامه عن الابهام، اشراقيّ في طريق التعلّم والتعليم، لكنّه من المشّائين بنميم، مستقيم القامة بادي البشرة أسود الرأس، ناطق فصيح ماش علي قدميه ولكنّه ليس من الناس، منشاري النبض ما به من ورم، ناحل الجسم ما عليه من سقم، أري قدمه أراق دمه، ولسانه مهّد عدمه، وزاحم بالركب أهل الفصاحة حتّي صار يضرب به المثل بين الأماثل، ويذعن لنظمه ونثره الافاضل، ذو اللّسانين واللّسانين، قد هدي النجدين وحوي المجدين، واقتحم العقبين، وجمع بين العلم والعين، مهندس ينقّش الخطوط علي السطوح للتعاليم، منجّم يصلح الزيجات والتقاويم، ينقش بالاصابع ظلّ الاقدام ويرقم علي الرخامات دقائق الليالي والايّام، لا يأبي السلاطين مراسيمه، ولا يتجاوز الاساطين عمّا رقمه، أعجم يعرف اللّغات كلّها، أديم قد طي المقامات جلّها، يقول حين يبرز في بادي البيان، عند الامتحان يكرم الرجل او يهان، صوفيّ إذا قطع المن فازل وبلغ النهايات، رجع القهقري لتصحيح البدايات، إن لم يقطع لسانه، لم يفصح بيانه، وإن لم يشطّ رأسه، لم ينطلق لسانه، عربيّ واسطيّ أصله، هنديّ زنجي نسله، طوطيّ أسود المنقار، كأنّه منقاره من قار، ذو ذؤابة يعلم من سيره حلول الآجال، ويفهم من ظهوره انتقال الدول وتداول الاقبال، وتحوّل الاحوال، أحرز قصب السبق في مضمار البيان، حتّى صار يشير إليه المهرة في ذلك الفنّ بالبنان، كأنّه عصى موسى قد ألقيت فإذا هي حيّة تسعى، أبو قلمون يتقلّب في الاطوار، ويتحوّل من شعار إلى شعار، طورا تراه ينظم القوافي والاشعار، وتارة ينشر لآلئ الحكم والاسرار، ساعة تبصرة أنيس الاعلام ذوي البراعة، وكرّة تصادفه سمير أهل المجون والخلاعة، سحّار يأتي بالغرائب، مكّار يري الناظرين العجائب، يثب في سماء مشرقة كواكب مظلمة، وينثر علي صفحة النهار قطعا من اللّيالي مشرقة مدلهمة، كاتب شهيد، حاسب عتيد، تجرّع وارح مذاق الكدّ حتّي تضلّع من فنون العلوم، وتحمّل الصبر علي الاشتياق دخان السراج حتّى برع بين الفضلاء ذوي الفهوم، لا يزال رطب اللّسان في شكر باريه، عذب البيان في ذكر أياديه، محدّث يؤثر عنه الاثار، وينقل عنه الاخبار في الاقطار ٌ، بازيّ يمتطي أيدي الصّناديد الصيد، لا يطير من ايديهم ويصيد، له إشارة مبهمة، وعبارة مفهمة، انقطع عن عترته لطلب الكمال، حتّى بلغ مبلغ الرجال، ونال من الشرف ما نال، ولقد حقّ أن ينشد فيه قول من قال، شعر~ ورث النجابة كابرا عن كابر ~ كالرمح أنبوبا على أنبوب، حكيم ينطوي إشاراته علي، تلويحات إلي قانون الشفاء، ويحتوي تعليقاته على تنبيهات إلى مناهج النجاة عن درك الجميل والشقاء، له موافق تحقيق فيها مقاصد الكلام، وعوارف معارف يفيضها على طبقات الانام، من الخواصّ والعوام، ومباحث يكشف فيها عن وجوه الفرائد اللّثام، تقرض ذات الشمال وهو من اصحاب اليمين، ويصدق في اكثر الاقوال لكنّه قد يمين، لا ينتظم مصالح الانام إلاّ بحسن مساعيه، ولا ينضبط حوادث الايّام إلاّ بيمن مراعيه، أجوف هو مصدر المثال، مهموز سالم من الاعتلال، لفيف مفروق من اخوانه، مقرون باقرانه، خفيف ناقص من اوزانه، اصل واحد يصدر عنه الامثلة مختلفة بمعان مقصودة الابّها، نصل شاجد لا يصاب غرض المطالب والمآرب إلاّ بدأبها، نموم يسعى في هتك الاستار، غشوم تعوّد كشف الاسرار، بغيّ لا يزال في افتضاض ابكار نبات الافكار، خفر ماض في الظّلمات، حتّي ارتوى من ماء ال دحياة، مستوف قد احاطه بابواب حواصل الاقاليم جمعا وخرجا، وزير قد نظّم غوامض أمور الممالك هرجا ومرجا، مشير ذوي النهي في النوائب وهو انسه، ما يكون من نجوي ثلاثة الاّ هو رابعهم، ولا خمسة الاّ هو سادسهم، رشيق القدّ، أسيل الخدّ، أليف الكدّ، طويل المدّ، قد جواز شمائله حدّ العدّ، ألف ممدود ولا يمنع الصرف، سالك مرتاض لكن يعبد الباري علي حرف، تعمّم بشعار آل عبّاس، وأقام امر النجدة والباس، فقال ايّها النّاس، شعر~ أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا ~ متى اضع العمامة تعرفوني، اخرق لا يحفظ السرّ في القلب، لا فرق في لغة العجم بين اسم وقلبه، له اسم في العرب تقاليبها كلّها مستعملة، وذلك من خصاله التي قلّما يتّفق الشريك فيها له، آلة تعصم مراعاتها الدّنس عن الخطأ والنسيان، تنوب عن اللّسان في البيان، وعن السّنان المحدّد بالسّنان، إذ هو في البنان، هو ملك اليمين ولكنّه يستكتب، فإذا ادّي نجوم الكتابة خلّى فيه سبيله أين تذهب، نسخ محقّقا تو قيعاته على الرقاع ادراج الياقوت، قد قرّ بريحان ارقامه عيون ابن مقلة وياقوت، شكله اسطوانيّ وهو مخروط، شابّ مترعرع لكنّه مخطوط، يحبّه الناس ويراودنه، لكنّه إذ شا ظهر الشعر على عذاره، طووا الكشح دونه، مسافر يسفر عن اخبار المشارق والمغارب، عارف محيط لجميع الاذواق والمشارب، لسانه نضناض، يقضي فيما هو قاض، جارية تجري في البحر باذن الباري، فيأتي بدرر معان كأنّها غرر الدراري، ولقد احسن من قال في وصفه لمغزا، ولبعض اوصافه الغريبة مبرزا، شعر~ وما غلام راكعي ساجد ~ اخو نحول دعه جاري ~ ملازم للخمس في وقتها ~ معتكف في خدمة الباري، كانّه وهو في يد السلطان ابن السلطان، ابي الظفر يعقوب خان، قصب السكّر وقد نبّت على ساحل عمّان، عمّان عمّ الورى نائله، ويؤدّي السائلين ساحله، كلاّ ان نوال البحر بالنّسبة الى فيض كفّّ نذر ليس له قدر، وكيف لا وله مدّ يعقبه بذر، فلن اشبّهه بالبحر ان ّ له مدّا، يعاقبه جزر بارجاء، او هو والحالة هذه خطّ تخيّل في نواظر الاوهام، من قطرة نازلة من غمام، غمام وايّ غمام، غمام يدرّ درّ نواله علي طوائف الانام، من الخواصّ والعوام، ويغمر منحه الجسام، رياض آمال افاضل الاعلام بكلّ مقام، بل اين جود الغمام، من جوده العميم، ام اين مدراره من ادرار كريمه الجسيم، شعر~ ما نوال الغمام وقت ربيع ~ كنوال الامير وقت سخاء ~ فنوال الامير بدرة عين ~ ونوال الغمام قطرة ماء، اللّهمّ خلّد نقا ذا ارقام اقلام خدّامه على صفحات الاقاليم ما دام القلم الاعلي، وانّدا مداد اعوان دولته، وامتداد زمان شوكته، ما دام نقوش الانقاش في صفايح القرطاس تتلي، وما هرا آثار السّلاطين الكبار علي صفحات الادوار تروي، بحقّ من نسخ الكتب السالفة ولم يركب بنانه القلم، وهدي الحائرين الي اقوم اللّقم، بعدما وقّب غواسق الظلم، صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم،

الرسالة القلمية للمولى الحنّائيّ

بسم اللّه الرحمن الرحيم وبه نستعين حامدا لمن علّم بالقلم، علّم الانسان ما لم يعلم، ومصلّيا علي نبيّ أمّي لم يتعلّم قطّ، وما درس وما خطّ، وعلي الراسمين على مثاله، من صحبه وآله وبعد فانّ بعض البالغين حدّ البلاغة، اغرب في وصف براعة اليراعة بلاغة قطعه في وصفه فاضل لا يري له مثل، خصّ بالرفع مفرد علم، دام عين العلوم مورودا، ما جرى بالمسائل القلم قطعه فيه نتوان وصف كمآلش بزبآن، هل اتى افضل أهل العصر، ورصف زمرة ارباب حكم، جون قلم دام عليّ الصدر، وهذا سبك على قالبه، وكسب ممّا قال به، مصراع~ هل يدرك الظالع شأو الظليع، فيا ايّها السائل عن قلم الدوبّير، إنّه علم كلّ ذي علم وإمارة كلّ أمير، مطاع العظا ىم ممتثل المثال، لا يغرب عنه علم ويعرب عن كلّ حال، يميّز كلّ مبهم ويستقرّ علي الابهام، ويفتي بكلّ دماء الممتّعين بالاحرام، اذا دعي أجاب علي المهامه، ويمرّ في امضاء القضاء علي الاستقامة، آدم اهبط من دار السّلام، فلا بدع ان يبلى بمشقّتين ويلام، يدارس في الكتب كانّه ادريس، ويدمن القهوة والخنذريس، خضر بلغ عين الحياة، وذو القرنين قضى نخبه في الظلمات، ذو النّون لكن يلتقم منه، ولم يزل ينتقم منه، كليم موسى، وكلّم به الموتى، يعقوب يشكو بثّه، ويبثّ شكواه بثّه، يوسف سجن علي هوان، ودخل معه السجن فتيان، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وهمّ بها لو لا أن رأي برهان ربّه من عصمة قدسه، عزيز مصر قدّ قميصه من دبر، وكلّ شيء فعله في الزبر، يظهر كلمة اللّه العليا، فرفعناه مكانا عليّا، مهاجر بعث لتتمّة مكارم الاخلاق، مفتاح الرزق وينقلب اصل الاملاق، منبّأ بما في صحف موسى، وما ينطق عن الهوى، ولو تفوّه بالاباطيل، وتقوّل علينا بعض الاقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثمّ لقطعنا منه الوتين، من انصار الخزرج والاوس، ويدوس المصاحف سوء دوس، فرعون طغى، وللرسول عضى، حاشر يدين له البيضاء، مباشر ويحيض حيضا، والطّور، يبني البيت ال ِمعمور، ينفث لحلّ ثكال اشكال الكبد، سامريّ يعوّذ الناس من النفّاثات في العقد، عصى اذا القا بها المغلق فاذا هي حيّة تسعى، وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي اتوكّأ عليها، ولي فيها مآرب اخرى، نبات الارض فاصبح هشيما، واضحى صريما، رقيق ورقّ العتق، منشور بين يديه، ولا غبار ممّا قدّمت يداه عليه، آصف سليمان الخطاب، وعنده علم من الكتاب، سلطان على، نسخة المحقّق جلى، يملي المظالم ليزداد اثما، ويعلّم ما في العلم رسما واسما، جال حال خال مالي، سليمان ملك الكلم اذا تفقّد معنى يقول ما لي، له الولاية العامّة بلغت اقصاها، لا يغدر صغيرة ولا كبيرة الاّ احصاها، عليه اللّه بايتاء الملك تاب، يمحو ما يشاء ويثبّت وعنده امّ الكتاب، نجاشي استولي على نجد نشر وطيّ، وما نجا منه من السود شي، عمرو استوى على العراق، بسيف ودم ومهراق، حبشيّ يتبعه غرايب غرابيب، ولا جزاء لشرطه عند اديب، عبد يدبّر الكتابة، يسعى في العمل ولا ينال اتابه، ترجمان كلّ لسان، مذكر ما جري عليه النسيان، يصدق طورا ويلين، يخون ما أتمن وينجو باليمين، ناسخ راسخ، علم سافح، نظام الملك الملك ببغداد، ينتقص ولا يزداد، شرقيّ شآم برق القدس، وحلب ضروع صروع الفروع من ?كلّ ندس، يحل زورا، ويكحل حورا، مدارس بمدارس بيان بدايع المعان، ملته بالمثاني، ومنته عن السبع المثاني، يستنبط منه نمط الاستدلال والحدس، وينزّل التنزيل كانّه روح القدس، آس لكلّ طبيعة ضالّة، وغلب على مزاجه الرطوبة الغريبة البالّة، مهندس رومانيّ، كثيف جسماني، جوهر عرض، سهم اصاب الغرض، جسم خطّ على سطح تعليما، ذو قوام يقوّم العلوم تقويما، العلم صيده، والكتابة قيده، يستفرغ المجهود في صرف المقدور لمقصد، ويقعد لنقد المحصّل عند كلّ مرصد، ينطق ولا ينطق، مقدّمة ينتج شكله المنطق، موضوع لفنّ الرسم محمول، آداة للتحصيل والعدول، بيان الحاجة اليه يعرف مهيّته، يصوّر على الهيوليّ ما لم تتصوّر هيأته، لاغ غال نديم، حديث السنّ يحدّث عن قديم، مسّاح سيّاح، سبّاح سفّاح، نقل نمل، يمشي وئيدا كانّه ثمل، مسامر لاهل الادب والمجون، سامر بما بين الصفا والحجون، اسود الجبّة كالكعبة، يغوص اللّجّة السوداء ولا تبلغ كعبه، بل مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، بائس فقير، آيس من نقير، يأتي من كلّ فجّ عميق، لحجّ البيت العتيق، ياوي الى ربوة، ذات قرار ومعين، وينال نظرة نضرة حور عين، يماني يفوح نفحات أنسه، ? مدني يؤثر ولو كان به خصاصة على نفسه، عجميّ لحّان، ناحية جيان، نفر ليتفقّه في الدين، وحالف كلّ حلاّف مهين، يجتهد في الجدّ والهزل، وطالما اختار لمنكوحه العزل، لسانه في قدمه، يكتب حوادث الحدثان بدمه، باكياندمه، يجمعه الاديب على كثره، ويعجم به نظمه ونثره، بطل يظلّ في الكتائب حاسرا حافيا، واذا براه البراة لم ينفكّ نافيا، خادم مخدوم جازم مجزوم، ألف نصب نصب يلزمه نون، انتصب لآراء عجائب الفنون، جامد مشتقّ قياسا وللكلمة مصدر، واذا تدحرج فحذي بالفعل انكسر، وقوع منصوب مجرور، مضموم مفتوح مكسور، ثلاثيّ مجرّد، في الجمع مفرد، ثلاثيّ مع اعوانه رباعيّ، ومع اشياعه سداسي او سباعي، صحيح المثال اجوف، مستقيم محرّف، عن فعله لا ينحرف، منصرف ولعلّه لا ينصرف، ماشطة يكوّر اللّيل والنهار، ويعطف واو الصدغ على لام العذار، مؤكّدا للرائي بمزيد النون، على عوارض بيض مكنون، يبحث في التنجيم باهله، ويتماشى في صعب التقويم وسهله، طلسميّ في علم الحرف راق، مشّائيّ يقتبس منه الاشراقيّ، واقف على براعته في التفسير جهابذته، واساتيد الاساتيد تلامذته، شـــــــ ~ وواقفون لديه عند حدّهم ~ من نقطة العلم أو من شكلة الحكم، عير راء، قاف فاء، كشّاف العلامة علامة رشحاته، وعيون المذاهب تلميح من لمحاته، اشارات الشفاء رمزات الحاظه، وعبارات اخوان الصّفاء سقطات الفاظه، الضّوء شعلة ناره، ونور المصباح قبس من مناره، سمير كلّ امير في الكلام، مشّاء بنميم ولا يلام، يحرّف الكلم عن مواضعه، وينقله الى المجاز عن حقيقة معنى واصفه، كاتب وشهيد، على طايع وعنيد، ما يلفظ من قول الاّ ولديه رقيب عتيد، كذّاب آشر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، اشجّ واشجع، الجّ وانجع، رقاعه اقنى القراع كانّه فنّ الخطّ، ولم يفارقه عطّ القطّ، اسد ورد، قطيفة جرد، فاتك لهج، سمح سمج، يقال اذا بدا في هيجاء الهجاء لمحه، جاء شقيق عارضا رمحه، خاو يبطش بالفرار، وطاو للمكان على قرار، اذا ضرب عنقه لا يتألّم، واذا قطع لسانه لا يتكلّم، صلف سفّاك، كلف أفّاك، يدسّ في التراب ما راقه، وله شرب من كلّ ماء راقه طوي على طوا، ويعمل على شاكلة ما نوى، قانع معترّ، مفتر مفرّ، أبو العوم بالعلوم بلعوم، يسبّح بحمد ربّه حين يقوم، مذكور بكلّ لسان، موجود بكلّ مكان، مظهر كلّ غيب، مظهر كلّ عيب، يعلن كيفيّة الاسرار ويعلمها، وما تسقط من ورقة الاّ يعلمها، لا يذهب ما في الضمير عليه، اذ قلوب العباد بين اصبعيه، حبر بكلّ خبر سميع بصير، قلت من انبأك بهذا قال نبأني العليم الخبير، دقّ نباله به صارم ما نبا له، شقيق كلّ نسيب، حبيب كلّ حسيب، يتذبذب كلّ صغير وكبير دونه، له معقهبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه، ضابط مضبوط، مستطيل مخروط، أملس علي ملساء، يجتهد طويلا ولا ينال فلسا، أمرد ذو خطّ، أجرد ذو حطّ، قاسم قسيم، واسم وسيم، قوله سديد، باعه في الصناعات مديد، مجتثّ مضارع، صارع ما يلاقيه كانّه مصارع، كامل طويل، خليل وافر المدد جليل، العروض روض بحره، ويخيّل اليك من سحره، مقتدى الجماعة، مهزول من المجاعة، حبر بروق حبره تروق الاحبار، يكاد سنا برقه يذهب بالابصار، ذو فقاهة، حلو الفكاهة، مفت ماجن، طبيب عاجن، يابس المزاج، يتحرّك بالعلاج، رطب اللّهجة، وله حدايق ذات بهجة، بسيط ياتي بالمركّب، مرتّب ليس له مرتّب، يكتب شفاء المرّة مبتلى باسهال السّوداء، فحل يطمث أبكار الافكار كلّ غيداء، ينزل ولا يغتسل، ومن كلّ حدب ينسل، يصوم ولا يهجد، واذا قرئ عليه القرآن لا يسجد، يكاتب بالرشى كانّه مولى مصر، باقي الاعانة على جمع الحطام لكلّ ذي اصر، فتى فتّان، مسيح ولا يدان، كتمان السرّ لم يطق، بلاء موكّل بالمنطق، من اصحاب اليمين في ظلّ ممدود، وماء مسكوب مورود، غراب بعث لير &ي لمن يمارى، كيف يبحث ويواري، ابقع حمام التسجيع، عندليب الترجيع، ارقم يلتقم الدود، ويصيد بيض العالم وسوده، ثعبان مبين يمشي علي قائمه، ذو عدوان يوقظ الفتنة النايمة، ناش شان نام مان، كاب باك، كان ناك، هاد ماذ، عار راع لا يتقمّص ولا يشتاذ، ناظر خفيّ الطرف، ويعبد اللّه على حرف، مزخرف عاطل، يكتب بالبرطيل الباطل، ايّها الذابل نبته، عمّا انت به، ولا تخطّ بيمينك اذى، ولا تخطو خطاك نحو خطا، فانّ عليك لحافظين، كراما كاتبين، خامل شامل، ذابل قابل، ناقص نافض، قارض فارض، ناقل باقل، غافل عاقل، رافض راقص، على عقبيه ناكص، لاسع عاسل، كافل مراسل، سارّ سار، جارّ جار، باك باكر، شاك شاكر، راكض برجله، مستفزّ بخيله ورجله، ساه ساهر، مدد كلّ مستمدّ، عدّة كلّ مستعدّ، يرشح بما فيه، بما يفيه من ماء فيه، له من كلّ باب جزء مقسوم، عالم معلوم فقد المعلوم، محضر بكلّ محضر، محبر لكلّ محبر، ينظم وينثر، يعثر ولا يعثر، مادح فصيح، قادح فضيح، نحرير تحريره تحرير، يستطر كلّ صغير وكبير، يتنابز بالالقاب، ويتناشد ارباب الالباب، يزبر زبورا، ويبرز نورا، على نور، فيهوى في مهاوى الزور، تارة مزمار يلتوي بالاوتار، ويتمرّن في الترنّم بالموسيقار، ولم يسمح بمثل الادوار، وأخرى ينخلع عن الملاهي، ويدخل في حلقة ذكر الإلهيّ، لكنّه يقول بلسانه، ما ليس في جنانه، ضارع صريع، طعامه من ضريع، ران على قلبه ما مان، فصار سرباله من قطران، تائه ذو كبر، ناتج القياس وقدّه قيس شبر، يرسم قصص النمل لزم الشعراء بأنملة، واطئ شهّروه كالميل في المكحلة، ناطف واصف، ناشف كاشف، ضيف من قرا، ظاهر كأنّه علم القرى، يقسم به، ويقسم به، ذو جلا جلى ترب وطنه، وشطن عن شطّ عطنه، شيخ في الفنون متطفّل للهجاء، يحبك برد المديح وقلّما يحيك على منوال الهجاء، عارف غارف، ذارف رادف، حسّان حسان، هجّاء هجان، مكثير مهذار، سحاب مدرار، أبو طالب مصطفى عليّ، حسن يحابيه كلّ وليّ، إمام في المحراب، نعم العون علي الاكتساب، يعطي Cشقايق النعمان نظرة نعيم، ختامه مسك ومزاجه من تسنيم، يضلّ ويرشد، وينشئ وينشد، مثنويّ شعوذيّ يري رقي سحر، وله المنشآت في البحر، وصفه لو اريد أن ينفذ، نفذ البحر قبل ان تنفد، سهم يرمى ولا قوس، يسير ويسيح ولا نوس، من اصاب غرضه فاز بمزماتين، وصار مع الشرف كهاتين، يافع مترعرع، نافع متزعزع، ذو نموّ وتنمية، ووهاء في تعمية، معميّات قلم، قل لمن كان ناقصا تحمّل، حظّ خطّ حططت عن مرقاه، قلم من سما شأنه بإحسانه، قلم من ثري الرزء ينقلب ملقاه، قلم سرّ علم عشق من يافت زما هي كمال، كز فلق نور او لمعه بودا فتاب، ناظم مصرّع، للنظم مرصّع، معجز في الايجاز، متماش بمنهج الالغاز، لغز باسمه~ ما اسم لذي ونهي قد قد اتي ~ ثلثاه فعلا ثلثه اسم كمّل في صورة عنوانه صدر كما ~ باقيه قد جا حشو آخر فلنقل ~ ثلثاه قلبا من ملالي صيغة ~ وثلثه من صدر شوري لم يزل ~ وها هنا جفّ القلم، واللّه أعلم من حكم، والحمد للّه وحده، والسلام على من لا نبيّ بعده، ومن تعهّد عهده،


دفاتر الأزهري

دفاتر الأزهري

هذا مجموع سيّدنا ومولانا الأزهري القنوع
نور الأنوار شيخ مشايخنا
السيّد محمّد بن عبد الرحمن
رضي الله عنه ونفعنا والمسلمين ببركاته إن شاء الله آمين

[01] من محمّد بن عبد الرحمن الأزهريّ مجاورة في مصر القاهرة إلى الأحباب الواقفين الصديقين منهم، ويا من تخلّق [02] بالتسليم، دم عليه، ولا يدخل أحد منكم بيني وبين مولاي الطيّب وغيره من المشايخ. سلام الله ... الخ؛ فإن قبلتم نصحي، اعتقدوا فينا ولا تنتقدوا [تنتقدونا]، وكما ترجى لمعتقدهم بركة، يخاف على منتقدهم سوء خاتمة، والعياذ بالله من سوء الخاتمة. وأيضا ؛ فإنّ التصديق بالولاية ولاية. وكما يجب [03] أن تصدّقوا بها إن تظهّرت لكم أمارتها في غيركم، وجب عليكم أيضا أن تصدّقوا بها إن تظهّرت لكم أمارتها في أنفسكم . وإن لم تقبلوا منّي ما سطّر هنا، فقد رضيتم بإطفاء نور معرفة الله، وهو ما نحن عليه من علم التصوّف هنا، ولا يقدر أحد على إطفائه أصلا أصلا أصلا، لقول عمر بن خليل : إنّي علمت يقينا أنّ الصوفيّة هم السالكون لطرق الله خاصّة، وأنّ سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أحسن الطرق وأصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع، ليغيّروا شيئا من سرّهم وأخلاقهم، ويبدّلون [ يبدّلوه ] بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا، فإنّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم، مقتبس من مشكواة [04] النبوءة، وليس وراء نور النبوءة على وجه الأرض نور يستضاء به. انتهى.
قال وبالجملة ماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها، وهي أوّل شروطها تطهّر [تطهير] القلب عمّا سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى الإحرام من الصلاة، ليستغرق القلب بذكر الله تعالى، وآخرها الفناء بالكليّة عن نفسه وعن الخلق بزوال إحساسه بنفسه ولا بهم ولا به ولا إحساس ولا خبر، فتكون نفسه موجودة والخلق موجودون، ولكنّه غافل عن نفسه وعن الخلق، غير محسّ بنفسه وبالخلق . كما قال تعالى، حكاية، فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ، ولم يحسسن [لم يحسسن] ولم يجدن عند لقاء يوسف عليه السلام ألم القطع . إنتهى باختصار للضيق الذي يعلمه الله، وإلاّ فالكلام كثير، وحيث وصل التنوير وصل التعبير، تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، وعلى ما سطره إبن عبد الرحمن هنا في هذا الدفتر، ربّاه أستاذه، وهو لكم ولغيركم نذير إن سلّمتم له كما سلّم هو لأستاذه المذكور البصير فإنّ لومكم وحسابكم عليه لا على أمل [أهل] الغرور النكير، واتركوا ما أنتم عليه من اعتراضاتكم الباطلات، وأشنعها الاتّكال على خصوص صــلاح الآباء والأمّهات والماء والمحراب [ولا إله معطّل] أو غرور شرف النسبة [05] . والنبيء صلّى الله عليه وسلّم قال : أنا جدّ كلّ تقيّ ولو كان عبدا حبشيا، لم يقل أنا جدّ كلّ منسوب ولو كان منافقا، وقال أيضا : اعملوا ولا تتّكلوا، وقال أيضا : أكرم من أكرمك ولو كان عبدا حبشيا، وأهن من أهانك ولو كان جدّه قرشيا، ولا تقول ابن عبد الرحمن الأزهري لم يكن شريف النسب بل شريف [النسب]، ها هو ( هي ) شجرته تنظرونها وستاتيكم أخرى ثمّ أخرى إن شاء الله، إن لم تنقطع حجّتكم بهذه الشجرة التي وصلتكم، [ و ] أيضا ؛ فإنّ بعض العلماء، الظاهر فقط، ولا رائحة له في علم الباطن أصلا، غرّته علم السطور فقط، وجهل علم الصدور، الذي يصان [ يصار ] بالقلوب فقط إلى علم [علاّم] الغيوب، مهما ذكر ابن عبد الرحمن الأزهريّ عنده إلاّ ويتحزم بإطلاق لسانه فيه وفي غيره من أشياخ أشياخ وقتهم، ويقول : لم يبق شيخ لا شرقا ولا غربا، واش اعطاك شيخك الذي تجري إليه كلّ عام مرّتين طول العمر وابن عبد الرحمن ما هو شيخ . إنتهى كلام بعض البطّالين . وهنا تحقّق قولهم : لا يعرف السوق إلاّ من تسوّقه، ومن جهل شيئا عاداه وجفاه وعابه وحقره . وعليه يقول أستاذي [ الحفناوي ] ومنقذي من غرقهم، يقول : معذورا من ذاق فلنور نفسه شاق، ومعذورا من لم يذق فلنارها شاق، وكلّ ميسّر لما خلق له . وجدت عادة الله لقبضة السعادة أهل ولقبضة الشقاوة أهل، فإنّ الشريعة بلا حقيقة زندقة، وحقيقة بلا شريعة زندقة، أعاذنا الله وإيّاكم من الزندقتين . آمين . وتعجّبت كيف أضحك ممّن سلم ممّا ذكر ولم يسلم لمن سلم، كن عالما أو متعلّما أو مستمعا أو محبّا ولا تكن خامسا باغضا فتهلك . وتعجّبت ممّن يتعرّض [ يعترض ] على تلامذي ( تلاميذي ) ولم يكاتبني بالوجه الذي يتعرّض [يعترض] به، والجواب واجب عليّ لا على تلامذي ( تلاميذي )، فإنّه من قدّمته فهو لساني فقط، يوصل الأمانة فقط إلى من سبقت له العناية عزمته إلى أسباب الهداية . وبالله الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة أقسمت به إلاّ مأذونا بالتربية، مأذون مقهور بها، فمن شاء قبل أو ردّ ؛ ولا نتّكل ( أتّكل ) على شرف نسبي، ولا على صلاح آبائي وأجدادي، أو غير ذلك، خفت من [ أنّ ] النار تترك الرماد وتخرج [ نخرج ] من سعد الدارين كالشعرة من الزبدة، كما قيل به . ولا أتحرّك من إذاية المؤذي، ولا اعتراض المعترض [ولا أتحرّك من اعتراض المعترض ولامن إذاية المؤذي]، كما لا يتحــرّك الجبل من نفخة ناموسة . لا علم إلاّ العلم بالله . ثمّ نوصيك [نصيك] بأصــدق الصدّيقين [الصـادقين] من تلامذي ( تلاميذي )، وهو سيّدي مصطفى بن القالي، وغيره، ولا تقولوا إنّ علم الله في السماء من ينزل لنا به أو في الأرض من يصعد لنا به . بل تخلّقوا بأخلاق النبيئين، وتأدّبوا بآداب الروحانيين، ينبع لكم العلم من قلوبكم، ما يغمركم ويغطّيكم، وهذا هو الصواب الصواب الصواب . آه آه آه من تضييع سرّ العمر على غيره . واعلموا ؛ أنّي أقسمت لكم، بيميني هذا، لنفي شكّكم فينا لأجل نصحي في الدين فقط وانتشاره، لا لأجل مفاخرة [مفاخرتي] وغيرها ممّا يخاف أن يخطر في البال، عملا بقول النبيء صلّى الله عليه وسلّم : لو شئت أقسم لكم أنّ أحبكم إلى الله تعالى المحبّبون خلق الله إلى الله المحبّبون الله إلى خلقه الماشون في الأرض بالنصيحة . وعملا بقول النبيء صلّى الله عليه وسلّم : أكثروا من بذر الأسرار وهو إلقاء الورد في قلوب الأحرار من سموم ربقة الأكوان . وإنّما أقسمت لكم [أقسم] النبيء صلّى الله عليه وسلّم لمن رآه في ليلة واحدة سبعة عشر مرّة، وكلّما رآه [يراه] يتعوّذ من الشيطان وفي المرّة الأخيرة قال له [ النبيء ] صلّى الله عليه وسلّم يا فلان تتعوّذ من الشيطان، شكّيت فينا عند رؤيتنا، فبالله الذي لا إله إلاّ هو إلاّ إنّي محمّد رسول الله والسلام. ولا تطاوعوا إلاّ من تخلّق بالتسليم الحقيقيّ، واتركوا من أولع بخصوص الجدال والبحث، ومحلّها علم الظاهرة [ الظاهر ] فقط، من ضاق صدره اتسع لسانه ، لسان العاقل في قلبه وقلب الأحمق في فيه، والسلام على كلّ عاقل [ واقف ] منصف . كتبته عاجلا . ومن لم يزر شيخه على الدوام لا تربية [ ولا ترقية ] له، ولا سلوك له، ولا ذوق، فإن قربه شيخه، يزوره كلّ يوم بعد عصره، كما نفعلوه ( نفعله أو فعلنا ) حين كنا نزور أستاذنا الحفناوي، وأمّا من بعد شيخه، يزوره مرّتين في السنة دائما، وهما في وقتين، النوار، وهو وقت الربيع، ووقت الثمار، وهو وقت الخريف، وهما وقتي تنفّس [06] الجنّة . ومن قال لكم ماذا أعطاكم شيخكم، فهذا [07] جريكم إليه، فقولوا له أعطانا التربية والترقية معا، فإن قال لكم ما هما، فقولوا له أمّا التربية [08] ما نسمعوا ( نسمع ) من فمه من أمر ونهي وتنشيط وتعشيق في تقرّب النوافل التي هي مازال عبدي ... إلخ، لأنّ ـ زال ـ تقتضي الدوام والاستمرار، كما كانت كمــالاته تعالى كذلك نعبدوه (نعبده) كذلك ؛ وأمّا الترقية فهي نظر شيخك فيه [فيك] بالزائر ببصيرته التي تخرّقت منافذها من بصيرته الباطنة إلى بصره الظاهر، وهي في ظنّ الزائر أنّ شيخه المزار رأى تلميذه الزائر ببصره فقط، فليس كذلك، بل ببصيرته . وهنا زلّت الأقدام ( لعلّ هنا = ما ) لم تؤيّد بنور من الملك العلاّم . ومن أجله لا يكون لأسرار الله مقدام . فإن ترقّى باعتراضه وقال : لم يعطيك ( يعطك ) شيخك الكرامات وخوارق العادات أو الأموال الفانيات التي هي عرض وصنع وإشراكات، فقل له : شيخنا يستعيذ دائما من ذلك، ويقول في دعائه: يا ربّ لا تطلعنا نحن وسائر تلامذتنا الصدّيقين [ الصادقين ] على كرامات تقطعنا عنك، ولا على خارق يقطعنا عنك، كما قال أبو مدين . لأنّ العابد لأجل الخارق وكرامات [ كرامة ] (الكرامات) عابد الصنم، لأنّه عبد ليؤتى كرامة، لم يعبد [ إلى ] الله خالصا ولأجله . قال [ النبيء ] صلّى الله عليه وسلّم : ما فاقكم أبو بكر [بصلاة أو غيرها من أفعال البرّ ولكن فاقكم بشيء وقر في قلبه] إلاّ بشيء وقر في قلبه . وكذلك من كانت همّته في خصوص ما يدخل في بطنه، فقيمته ما يخرج منه. وإن زاد في الاعتراض، فقال لك : شيخك ليس أهلا للتربية . فقل : حسابه على خالقه الذي أقامه فيها، يقيم حيث أقامه الله . فإن قال لك : لماذا أقامه وهو جاهل . فقل له : إن كنت تعيب منه ليس ( فليس ) له قدرة يبدّل ما أقيم فيه بما ترضاه أنت، وإن كنت تعيب من الخالق الذي أقامه فيها فقد نسبته للجور، ولزمك ما لزمك كقصّة الكلب الذي قال لسيّدنا نوح عليه السلام . وحاصله أنّ كلّ الوجوه الذي اعترضوا بها [ به ] [09] أعلموني به، والسلام على الطائعين . وإن كنت فطينا حقا تنقل هذا الدفتر وترسله إلينا، و[ أو ] تأتينا به يوم قدومكم مع شجرتنا، تأتينا بها أيضا، والشاطر، هو الجامع للدفاتر في كتاب [ و ] يسمّيه : هذا [ هنا ] كتاب مجموع لدفاتر الأزهريّ القنوع . كما يفعله الفارسيّ وبربار المعتنين بالضبط للأسرار . وتعجّبت لمن وصله دفتر ويهمله، ولا به يعتني، وهو دليل عمائه بالفاني، خسر الدارين، وليس بعد هذا العيان تبيان . انتهى . هذا دفتر يسمّى وما أعطاك شيخك واش جبت منه تجري إليه كلّ عام مرتين، ما انتفعت منه شيئا، ولا علم لهم بان من ملك باطنه، ملك ظاهره لا العكس والسلام . صلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة ثانية [10]

من محمّد بن عبد الرحمن الأزهريّ مجاورة لمصرالقاهرة، إلى الحبيب سيّدي الهادي بن محمّد الزواوي ؛ سلام الله ورحمته عليكم ومن تعلّق بكم وبعد السلام نحن على خير إن كنتم فيه أنتم، فهمت مكتوبكم، وحمدت الله تعالى على سلامتكم، وصحّة رابطتكم مع الله تعالى، ومع ورده، والورد ورد الله، ونحن عباد الله، نسأل الله تعالى أن يقوّي عزمك على خدمتك هذه الطريقة، بخصوص قوانينها فقط، واتوا البيوت من ابوابها فقط . ولقد عجبتني منامتك المتكرّرة فقط، ولا سيما ذكر لا إله إلاّ الله وأنت نائم [ إلخ ]، وهي [ من ] روائح ولوائح قرب امتزاج الإسم مع لحمك ودمك، لكن بعد صفاء عناصرك الأربعة، أي بعد أخذ الماء من خارجك ماييتك ( مائيتك ) الداخلة فيك المـمتزجة معك والتــراب كذلك [ والهواء كذلك والنار كذلك ] ؛ وأذنتك في دخول الخلوة في كلّ زمان ومكان . وقولك : أردت أن تدخل الخلوة في أوّل ربيع الأوّل النبويّ الأنور [ الآتي ] إن شاء الله ... إلخ، دليل على أنّك تختار لرياضـتك الأزمنة المشرّفة، والأمكنة المشرّفة ... إلخ . ولا يشترط أكل الشعير، كما تقول، أرباب الاستخدامات الروحانيّة الباطلة القائلون : لا تأكل ذا روح ولا ما خرج من روح، ولا بدّ أن يأكل الشعير، وذلك لم نتربى [11] عنه [12]. والذي نعرفه تقليل الأكل فقط، قمحا او شعيرا بزيت أو بسمن، وتخاطر اللّحم عند الاحتياج الكثير . وتلازم الأركان الأربعة بالتدرّج [ 13 ]، يجمعها قولهم:
إنّ الطريق له أركان واجبة * فلا وصول بغير الركن للرّجل
فهاكها أربع قالت مشائخنا * جوع وسهر وصمت عزلة فقل

وبها رجعت ووصلت الأبدال أبدالا، أمّا الجوع، فيقال عليه : أفلح الزاهدون والعابدون، إذ لولا هم أجاعوا البطون، حــيّرتهم محبّة الله، حتّى حسب النّاس أنّ فيهم جنونا . وأمّا السهر، فيقال عليه :
إذا جــــنّ اللـــيل كابدوه * فيصـــفر عنـــهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا * وأهل الأمـن في الدنيا هجوع
( فيصفر لعلّها = فيسفر )
وأمّا الصمت، فيقال عليه :
أنظر يا أخي لما في الصـمت من حكم * واعمل به كي تنال قربا وإحسانا
واصمت بقلبك عن كلّ الوجود وقم * في وصفه يا فتى ســرّا وإعــــلانا
فذاك نـور يـهـدي القلـــوب إلـــى * حضـــائر القـــدس تحقيقا وإيقانا
وأمّا العزلة، فيقال عليها :
لقاء الناس ليس يفـــيد شيئا * سوى الهـــذيان من قيل وقال
فقـــلّل من لقــاء النّــاس إلاّ * لأخــذ علم أو إصــلاح حال
[ فأقلل ] [لإصلاح ] انتهى [ إهـ ] والسلام . ( لأخذ العلم )
ومن لم يلازم ما ذكر بالتدريج، لا يجيء منه شيء لنفسه، وأحرى لغيره . وأمّا أوّل ما تبدأ به، تقدّم صوم يوم الأوّل، وبــعد أن تصلّي عشاء ليلة [ ليلته ] تدخـل خلوتك، ولو كانت في مــــنزل سكانك ( سكنك )، أنت في أسفله، وعيالك ساكنين [ ساكنون ] في أعلاه، أو يمينه أو شماله، أو جهاته الستّ، بأن تجعل قطنا أو صوفا في أذنك [14]، بحيث لا تسمع إحساس العيال وغيره، وبحيث لا ترى ولا تُرى، ولا يسمع لك إحساس أيضا، لا يسمعها [ أي يسمعها ] منك، وأمّا كلامك مع خادم خلوتك، فكلام الحاجة فقط، ولا دخول [ دخل ] لك في أقوال وأفعال و أحوال الفضوليّات، ولا ترى خادم خلوتك، ولا يراك، سواء كانت زوجتك، أو أصولك، أو فصولك، أو حواشيك، أو أجانيب ( أجانب ) الذكور لا الإناث، وأمّا أنثى المحرم جازت، والزوجة جازت أيضا . وبعد أن تصلّي عشاءك المذكور سابقا، أوّل ما تبدأ به تصلّي ركعتين نافلة لله، ثمّ تقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، عشرا، ثم أستغفر [ استغفروا ] الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه، عشرا، ثمّ، اللهم صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، عشرا ؛ ثم تخايل صورة شيخك قدّامك قريبا، ثمّ تخايل أيضا صورة النبيء صلّى الله عليه وسلّم قدّام شيخك، وتذكر، لا إله إلاّ الله، طول ليلك، ومهما أتاك النوم ارقد إلى جنبك الأيمن، ومهما استيقظت، أذكر من غير وضوء، فإنّه شرط كمال فقط، فإنّ ناقض النوم و [ أو ] اللمس أو الريح أو مطلق الأحداث [ الأحداث = إلاّ ] كالعدم، بالنسبة إلى الذكر، ولو كانت ناقصة [ ناقضة ] بالنسبة إلى الصلاة . وحاصله فإنّ الذاكر لا يتوضّأ إلاّ إذا خرجت منه الأخباث ؛ هذا في حقّ المختلي، وأمّا غيره، يذكر ولو بجنابة بتيمّم أو بغيره، لأنّه في مقام الخدمة الدائمة. وهكذا، تفعل في كلّ يوم وليلة، حتّى تخرج بعد صلاة صبح يوم ( اليوم ) الرابع، هذا في خلوتك الثلاثة، وقس عليها أكثرها، لأنّ أقلّ الخلوة ثلاثا، و وسـطها أربـعون، وأعلاها لا حدّ له . ولا بدّ أن تكون صائما، شرط، إلاّ لعذر بيّن . ومن شروط الصحّة مخايلة الصورتين، ومنها إعلامك لطبيبك بما تكرّر من مناماتك ومن خواطرك المتكرّرة، من مرّتين فأعلاه [ فأعلا ]، فإنّ من كتم خاطرا أو مناما مكرّرا على طبيبه ............................* وتلميذه لا يفلح أبدا [ فهو تلميذ لا يفلح لا يفلح أبدا ]، لأنّه يخون الوحي، وكذا من زاد أو نقص في منامه أو خاطره يدخل في وعيد من كذب في حلمه أو خاطره فقد تبوّأ مقعده من النار . ومنها، دوام الذكر، وهو قوت الأرواح مع البخور، بمطلق الروائح . ومنها، عدم شرب [ الماء ] وغيره من سائر المائعات التي شعلت حبّ الله [التي تطفيء شعلة حبّ الله ]، والعطش هو مشرع الفتح [ هو مشرع الفتح ] .** ومنها، لا بدّ توالي رياضته حتى تنفتح بصيرته بأن يقول له طبيبه هذا هو الفتح النفوذي، أو [أخرني ] [أدنى] منه، لأنّه إذا لم يتوالى رياضته لا يجيء منه شيء، على قدر الانفتاح ما يأخذه [ يأخذ ] في الانفتاح يرجع للانسداد إلى الممات كمدا [ كبدا ]، والعياذ بالله [ من ذلك ] . والسلام .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فراغ في النسخة الأولى، وبدله ما يتلوه بين قوسين في النسخة الثانية .
* * مكرّرة هكذا في النسخة الثانية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذه رسالة ثالثة [ 15]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، صلّى الله على سيّدنا محمّد وآله من محمّد بن عبد الرحمن الأزهريّ مجاورة في مصر القاهرة، إلى جميع تلاميذنا في كلّ زمان ومكان، كلّ واحد باسمه، ومخصّص بسلامنا عليه ؛ وبعد السلام ؛ نحن على خير إن كنتم فيه أنتم، ومرادنا من جزيل فضلكم، تصبروا على ما نزل الله به وأنتم تثبتون على طاعة الله تعالى، وخدمته . أثبتوا اثبتوا [16]، فإنّ من ثبت نبت، ولا يتخلخل أحد منكم على ورده أصلا أصلا، لأنّهم قالوا، الأشياخ العارفون : كن مع الله ومع شيخك كولد رضيع مع رضيعته (مرضعته)، مهما استغاضت هي عن رضيعها رمته عن قربها، ورمت بعيدا، وصار ذلك الرضيع يلتفت يمينا وشمالا، لم يجد من يرضعه غيرها، رجع إليـها، ثمّ إذا رمته مـــرّة أخرى رجع أيضا إليها [ أيضا رجع إليها ]، وهكذا مرارا يرجع إليها لعلمه أنّه لا رضيع (مرضعة) له غيرها، وكذلك نحن نرجع إلى الله، فقط، لعلمنا أنّه لا إله لنا غيره، ولو امتحننا كذلك ألف محنى [ محن ] ( محنة ) ، لا نترك خدمة وردنا خــلوة وعــزلة وجـلوة [ جلوة وعزلة وخلوة ] [17] حــسّيّة [ بحسيّة ] وحضرة ومداولة ومذاكرة على ما نحن عليه مطلقا في كلّ زمان ومكان، ولو آذانا ما في الوجود من جنس الثقلين، فإنّ الصبر والشكر قيدان للنعمة الموجودة، وصيدان للنعمة المفقودة، فإن لسان ( ألسنة ) الخلق [ غلام ] [قلام] (أقلام) الحق سبحانه وتعالى، ولا يسلّط الله الإذايات على أحدكم، إلاّ أن يقصّر في الذكر، ولا يسلّط الله الحطّاب على الحطب إلاّ أن يترك التسبيح، والحشّاش على الحشيش، والصائد على المصيد إلاّ أن يترك التسبيح، لقوله تعالى : {وإن من شيء الاّ يسبّح بحمده} فإنّ الإذايات سوط من أسواط الله تعالى، يضرب بها القلوب الجالسة تحت ظلّ جاه ورفعة وغفلة [18] باطلة غرورة مستدرجات . والعياذ بالله . ما ذكر كلّه فبالله الذي لا إله إلاّ هو ما ظلمتنا الحكّام إلاّ هم جنات وأطرافهم نار، والأطراف هي التي تكذب على الحكّام، والأطراف هي التي رأت منّا التقصير، حيث التبست لهم أهل البدع، من أهل نسبة الرحمن، وفي شأن أهل هذا الزمان [ الزمن ] الفاسد أن يظنّ الخلائق كلّها أهل [ أهلا ] للبدع لمن غلب شرّه على غيره، وهو من علامة أشراط الساعة، اختلطت والتبست أهل نسبة الرحمن بأهل نسبة الشيطان . لا حول ولا قوّة إلاّ بالله . والآن نذكر لكم الفرق بين [ أهل ] نسبة الرحمن من غيرها، فإنّ علامة أهل نسبة الرحمن الصبر الجميل، وهو أن لا يتحرّكون [19] من سائر أنواع الإذايات، كما لا يتحرّك الجبل من نفخة ناموسة، قوّاهم الله تعالى بطاعة الصبر، وحقيقته هو تجرّع المرارة من غير إظهار عبسة ولا شكوى لمخلوق إلاّ لشيخ مربي . ولبث نوح عليه السلام ألف سنة إلاّ خمسين عاما، وآذوه [20] بجميع أنواع الإذايات، وهو دائما يقول [ وهو يقول دائما ] لهم يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره . ومن علاماتهم الإحسان لمن أساء إليهم ولمن أحسن إليهم مطلقا، لقوله تعالى في [ بعض ] مناجاته، بواسطة هاتف يهتف للشيخ [ الحرالي ] في خلوته في جزيرة في بحر قال له : من أحسن لمن أساء اليه فقد أدّى [21] لله [ له ] شكرا، ومن أساء لمن أحسن إليه فقد استبدل نعمة الله كفرا . وإذا كان كذلك ، فإنّ التقصير جاءها منّا لأمر [22] الحكام، فإنّهم وضعهم الله [تعالى] ونصبهم لأخذهم الحقوق والشريعة الظاهرة فقط، وهم على الحق الذي ظهر لهم الأطراف [23] فقط، واللّوم على الأطراف، هم أهل الحسد، وكذلك علينا أيضا، حيث قصّرنا في الذكر وقوانينه، الرياضات التي هي أفضل العبادات، وهي علامات الرجوع إلى الله تعالى، في كلّ نزول [24] المصائب بنا في كلّ زمان ومكان، ومن لم يرجع إلى الله تعالى، بما ذكر، فقد طغى وتكبّر على الله تعالى، وتعجّب في نفسه، فقد هلك ؛ ومن علاماتهم، أن يعبدوا الدواء، ولا يتعرضون للقضاء، أصلا أصلا . فالدواء هو الورد، وقوانينه المأخوذة من سالكها ومن عارفها وهو معنى قولهم : لا يعرف السوق إلاّ من تسوّقه، وهو ذو ورد أصلي مسلسل مأخوذ عن شيخ واصل، وهكذا بالترقي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم . والقضاء هو ضياع سرّ العمر على خصوص قلقلة لسان، وسفاسف أمور . ومن جملتها التعريض للدعاء على الظلاّم، في ظنّه أنّه يقبل الله دعاءه في الظالم، ولا معه الخبر أنّه، أي الداعي بنفسه، هو من جهة الظلاّم لأنفسهم، حيث لم تدرجها سلسلة الاتباع حتى تصفى ( تصفو) "تبرأ" [25] من علالها ( عللها ) السبعة، قال القائل على هذا المعنى : شعر
يا خادم الجسم قد تشقى بخدمته * وتطلب الربح فـــيما فيه خسران
فارجع إلى النفس واستكمل فضائلها * فإنّك بالنفس لا بالجسم إنسان
ومن هنا زلّت الأقدام، لم تؤيّد بنور من الملك العلاّم، ولأجله لا يكون لأسرار الله تعالى مقدام، أي عزام و [ شركان ][ شرهان]، أي لا يكون لأمر [26] الله تعالى أهلا لها، ولا يطرق ساحتها، وصار الدعاء منه على غيره، هو الدعاء لنفسه، والعياذ بالله، شعر :
قبيحا على الإنسان ينسى عيوبه * ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عقـــل لما عاب غيـره * وفيه عـــيوب لو رآها بها اكتفى
والذي نوصيكم عنه ( به ) أن تريحونا بالصمت على من اعترض عنكم بأمر من الأمور، ولا تجدلوا [تجادلوا ] أصلا أصلا ؛ ولا تزيدوا على قولكم : فالسابق لاحق، وما شاء الله فعله، سبق قبل أن يلحقنا [ يخلقنا ] بخمسين ألف ســنة، صــبرنا لأمر الله، ولأمر الحــكّام، ولا تأثيــر إلاّ لله [ تعالى ] . ولا تدعوا على الحكّام وغيرهم إلاّ بالخير، كما كانت عادتي وعادة شيخي، عمري ما علمت به أنّه ( بأنّه ) دعا بشرّ على أحد أصلا . ولأجله، لا نقول إلاّ : علمه بحــالي يغــني عن ســؤالي، كما قال سيّــدنا إبراهــيم [27] [الخليل] لسيّدنا جبريل [28]، عليهما السلام . ولا ندع ( ندعو ) إلاّ بــ : يا ربّ ارزقني رضاك ولا تشغلني بسواك، علمك بحالي يغني عن سؤالي . ولقد نصرت نفسي بعض السنين ندع ( أدعو ) على من ظلمني، حتّى وقفت على منصوص، وأنّ الملك المتوكّل بالدعاء كلّه، خيرا أو شرا، يقارع الداعي مهمى [ مهما ] وعى [ دعا ] بشيء من خير أو من شرّ مطلقا، إلاّ ويقول : لك مثل ذلك ؛ تبت على الدعاء بشرّ، إقتداءً بشيخي الحفناوي أيضا . ثمّ سرقتني نفسي [ أيضا ] بعض السنين، وأسأت الأدب مع الله ومع شيخي، ودعيت ( دعوت ) بشرّ، رجع ذلك الدعاء عنّي ( عليّ ) في ابن أخي ومالي وغير ذلك مرارا ؛ وإنّما أسأت الأدب ( لعلّ هنا : حين أو لمّا ) أصابتني إذاية لا أقدر على حملها حتى تغاشيت، فلمّا قهــرت من المشاهدة، رجع دعائي عنّي ( عليّ )، تبت على الدعاء، وفوّضت أمري إلى الله، وصار ينصرني على أعدائي، ولو لم نعلم ( أعلم ) أنّهم [ بهم أنّهم ] آذوني، من غير دعاء منّي، حتى تعجّب فينا الخلائق، ويأتوني ويسألوني، ويقولون لي : أقسمنا عليك بالله أعلمنا بأي شيء تدع ( تدعو) حتى قهرت فلانا وفلانا، ونحلف ( أحلف ) لهم ونقول ( أقول ) لهـــم لم نــدع ( أدع ) بشيء أصلا، ولا نقول ( أقول ) إلاّ : علمك بحالي يغني عن سؤالي . إهـ وقال العارفون : ليس من شرط الداعي التقيّ أن يصرّح بالدعاء، ويقول فعل الله بفلان كذا وكذا، بل بمجرّد ( مجرّد ) حكّة القلب تكفي . ولأنّهم قالوا نجانا الله من حكّة قلب المظلوم، ومن دعائه، لأنّــه يقبله الله، ولو كان غير مؤمن وغير طائع . وحاصله ؛ اشرعوا مع الذكر [29] فقط، لأنّهم قالوا : ما على وجه الأرض فهو ملعون، إلاّ الذكر وما ( من ) حوله، وهو عالمه ومتعلّمه ؛ ولا يعجبني إلاّ قول من قال : شيخنا ابن عبد الرحمن لا يدع ( يدعو) على أحد بشر، ولو سلخ جلده وهو حيّ، ولا يقول إلاّ : علمه بحالي يغني عن سؤالي . واتركوا أهل الظلم يكثرون الظلم منهم إلينا، ونحن لا نعاملهم إلاّ بقولنا : [الله حسبنا ونعم الوكيل] حسبنا الله ونعم الوكيل، علمه بحالي يغني عن سؤالي . والدوام على ذلك ( هو ) الاعتقاد الصحيح . ودائما شيخي الحفناوي يقول : لا تنظر إلى ما مضى، ولا إلى ما هو آت، ولا إلى مقام أو كرامات أو إذايات، فالمطلوب تعمير الأوقات بالطاعات، وعليكم بالصمت على [ عن ] أقوال الفضوليّات، وأحوالها وأفعالها، وهي الزيادة على قدر الحاجات من هذه الثلاثة . واعلموا ؛ أيّا [ يا ] من وقع في يده هذا الدفتر فلينقله ثمّ يعطيه لغيره من الإخوان، ثمّ ينقله [ أيضا ] وليرسله لأخيه، وهكذا يطرق إلى كلّ [30] مقادمنا ( مقاديمنا أو مقدّمينا ) في كلّ زمان ومكان . ثمّ لا تنقطعوا [تقطعوا] مكاتبتكم، ترسلها ( ترسلونها ) إلينا، إلى سيّدي محمود، وهو يرسلها إلينا، تعلمنا ( تعلموننا ) فيها بما يسرّ أو يضرّ . والأوراق لا تنقطع بيننا الآن، حتي يكفي (لعلّها يقضي) الله أمرا كان مفعولا، ولا تشغلوا أوقاتكم بما بعدها، إن عشتم إليه توبوا [ تؤتوا ] بأمر جديد، وإلاّ فلا تشغلوا أوقاتكم بوقت لم تبلغ إليه أعماركم، كما قيل به عند أرباب القلوب . واعلموا ؛ أيّا [ يا ] من كان صادقا مع الله، ومعي، وكانت هجرته لله خالصا (خالصة) بأخذ ورده عنّي، لا تنقطع مواصلة ( مواصلته ) لي بما أمكنه على الدوام، إمّا بقدومه لنا ( إلينا ) بنفسه أو بمكتوبه، إمّا من طريق البليدة أو من طريق المديّة أو من السحرا [31] (الصحراء) أو من البحر، لا سيما نحن رأتنا الأعيان قرأناه ولو لغير الله فوجدناه لله خالصا رغما على الأنوف، قال القائل :
لا زلت محسودا على نعمة * إنّما الكامل من يحسد
ولا حزت الملكة فيما نحن بصدده من علم الله إلاّ بالولوع بإرغام للحسّاد رغما على رغم بحمد الله . والآن أزيد أنا وإيّاكم في الإرغام، وإلاّ، اذهبوا عنّي بسلام حيث نقصتم في الازدياد في الإرغام [ في الإرغام في الازدياد ] تدخل في [ معنى ] قوله تعالى : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة . أي ما [ خلف ] غرضه انقلب على وجهه إلى آخره. انتهى . حيث بقى مسخرة نفسه، مبغوضا لربّه، مسخرة شيطانه إنسيّ وجنيّ، والعياذ بالله، فإنّهم قالوا :
لا مات أعداؤكم بل خـــلدوا * حتى يرمونك الذي يكمد
لا زلت محسودا على نعـمة * إنّما الـــكامل مـــــن يحسد [يكمدوا]
وليس هذا العيان بيان، لمن أراد الاطمئنان، بل بعد غسل قلبه من كيد النفس والشيطان، بقوانين الرياضة، فقط غسيل المصران . قاله مجرّبه وكاتبه ابن عبد الرحمن الأزهريّ مجاورة، ولا يفارقه الاطمئنان هو ومن شكّ فيه فقد شكّ في الرحمن، كاتبه ليلا للمصباح عجلان، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم، وذلك لتاريخ عام 1199 والســلام على الواقــف وعلى ناقـــله ولمن [ من ] يحـــسن علــمه الذي فيه [واتعبت] عنه بما يعلّمه الرحمن، لأنّي أردت به عموم الانتــفاع لوجه الله، لا لأهل الهذيان فاسدين ( فاسدي ) الإخلاص والسلام . قد انتهوا ( انتهت ) رسائل شيخ مشائخنا نور الأنوار ومعدن المعارف والأسرار سيّدي محمّد بن عبد الرحمن، على يد ناسخهم (ناسخها ) الفقير إلى ربّه العزيز الكبير، محمّد المســـعود بن بايزيد العـــامريّ عرشا [ الافحيربي ] فريقا النائلي نسبا، نسخهم ( نسخها ) لسيّدته ومالكة رقّ رقبته، وليّة الله تعالى ابنة شيخه السيّدة زينب إبنة الشيخ سيّدنا محمّد بن أبي القاسم الشريف الهامليّ قدّس الله روحه ونوّر ضريحه . اللهمّ يا ربّ اغفر لصاحب الأصل والناقل والمالك والناظر والمستمع والمحبّ ولكافّة المسلمين والمؤمنين الأحياء والميّتين آمين3 . الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله. يوم الجمعة عند الضحى في 5 ذي القعدة عام 1316 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرسالة الأولى والثانية، قابلتهما بنسخة أخرى لا ذكر لناسخها مؤرّخة في الثاني المحرّم عام 1309 هـ، وجعلت ما فيها من فوارق أو زيادات بين [ ]، والرسالة الثالثة قابلتها بنسخة أخرى لناسخها الذي ذيّلها بقوله : نقلت حرفا بحرف، دون زيادة ولا نقصان، وبصحّة المقابلة يقول كاتبه المبارك بن الريقط العدويّ الراجي عفو مولاه، الدراجي، بلّغه الله أمله وما هو راجي . آمين تاريخ نقلها في صبيحة يوم السبت يوم 20 رجب الفرد عام 1308 من الهجرة النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيّة وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريّته الطيّبين الطاهرين والحمد لله ربّ العالمين .
أقول؛ وما كان فيها من فارق عن الأولى جعلته بين [] أيضا . أمّا ما كان بين ( ) فذاك ما رأيته، مجتهدا، أصحّ، وإن أخطأت فلا أعدم أجرا إن شاء الله، كما اجتهدت في وضع الفواصل والقواطع والنقاط، وتنزيل الفقرات، تبيانا للمعاني، لأنّ الأصل مجمول مشمول موصول . وأمّا ما لم أهتد لفهمه فبين [] . والمخطـــوطة التي نقلت عنها، هي في 10 ورقات، من قـــياس 25/18سم، كتبت على 14 صفحة منها، مؤطّر نصّها بقياس 18/12سم، في الصفحة 23 سطر، في السطر نحو 10 كلمات، بخط مغربيّ حسن، مداده صمغ بنيّ يتخلّله اللون الأحمر والأسود أحيانا، في العناوين والبدايات . وفي يوم الخميس الثالث من ربيع الأنور عام 1420 هـ، قابلت الرسائل الثلاث بمخطوطة أخرى حديثة العهد، عثرت عليها، وجعلت ما فيها من بدائل وإضافات على الهامش المرقم، وتغاضيت عمّا كان موافقا لإحدى النسختين فقط، والنسخة الأخيرة بخط يد المسعود بن بايزيد العامري، مؤرّخة في 28 رمضان 1338 هـ، وهي كرّاسة ضمّ فيها الرسائل الثلاث، وبطاقتين للشيخ سيّدي محمّد بن عبد الرحمن الأزهري، ورسالة للشيخ عبد الرحمن الباشتارزي، وسند الطريقة الخلوتيّة، وقصيدة جمعت رجال السند للسيّد حمدان سليمان، ومجموعة أدعية، وهي في 24 ورقة 22/17سم، كتبت بالمداد الأزرق والأحمر والصمغ البنيّ . وسندرج ما يعني الطريقة آخر المجموع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش المتعلّق بفروق النسخة الثالثة ***:
01] رسالة ثالثة له رضي الله عنه ونفعنا به آمين / 02] تعلّق / 03] يجب عليكم إن / 04] مشكاة نور النبوءة / 05] النسب / 06] تنفح / 07] بهذا / 08] فقولوا له أمّا التربية ما / 09] الذي اعترضوا عليكم فيها / 10] رسالة رابعة له أيضا رضي الله عنه ونفعنا به آمين / 11] لم نتربَّ / 12] عليه / 13] بالتدريج / 14] أذنيك / 15] رسالة خامسة له أيضا نفعنا الله به آمين / 16] تنبتوا / 17] خلوة وجلوة وعزلة وخلوة حسيّة / 18] غفوة / 19] يتحرّكوا / 20] قومه / 21] إلى الله شكرا / 22] لأمن / 23 ظهر لهم فقط كلمة الأطراف محذوفة / 24] في المصائب / 25] تبرّأ / 26] لأسرار الله تعالى / 27] عليه السلام / 28] عليه السلام / 29] إشرعوا مع الذكر الجملة مكرّرة / 30] وهكذا يطرق على مقادمنا / 31] الصحراء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إجازة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، من كاتب هاتين الإجازتين بالبنان، الذي هو الفقير إلى الله تعالى محمّد بن عبد الرحمن ابن أحمد ابن أبي القاسم ابن يوسف ابن عليّ ابن إبراهيم ابن عبد الرحمن ابن أحمد ابن الحسن ابن طلحة ابن جعفر ابن محمّد العسكريّ ابن عيسى الرضى ابن موسى المرتضى ابن جعفر الصادق ابن محمّد الناطق ابن عبد الله ابن حمزة ابن إدريس ابن إدريس ابن عبد الله ابن محمّد ابن الحسن ابن فاطمة ابنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الملقّب بالأزهري مجاورة، في جامع الأزهر تبرّكا، في مصر القاهرة، الزواوي إقليما، القجطوليّ قبيلة، الإسماعيليّ عرشا، الباعليوي زاوية و قرية، إلى الواقفين على خطّنا هذا و وبعد السلام، وليكن في شرف معلومكم، بأنّي طلب منّي الحامل، إبننا قلبا لا صلبا، العارف بربّه العلاّمة السيّد عبد الرحمن بن أحمد بن حمّوده ابن مامش الجزائريّ مولدا، القسنطينيّ مسكنا ونسبا ؛ إلتمس منّي إجازتين على علميّ الشريعة والطريقة معا، فأجزته بهما لما فيه من أهليّتهما، وابتدأت له بإجازة الشريعة، فقلت : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد سيّد المرسلين، والرضى عن آله وصحبه أجمعين، والرضى عن سائر الأئمّة المجتهدين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد ؛ فقد التمس منّي الأخ الصالح، العالم العامل، الفاضل الكامل، سيّدي العلاّمة سيّدي عبد الرحمن بن أحمد ابن حميده ابن مامش الجزائري مولدا، القسنطينيّ مسكنا، إجازة فيما صحّت لي روايته، وثبتت لي درايته مطلقا معقولا ومنقولا، فأجبته لذلك لأنّه أهل وحقيق بذلك، وقد أخذت الفقه وغيره عن أشياخنا عن يده عديدة في مصر وغيرها، منهم شيخنا العلاّمة صاحب التصانيف النافعة، الشيخ عليّ بن أحمد الصعيدي العدوي، وهو عن جماعة منهم الشيخ محمّد المسليمون، والشيخ عبد الله المغربي، كلاهما عن سيّدي محمّد الخرشي، وسيّدي عبد الباقي الزرقاني، وهما عن شيخ المالكيّة، الشيخ سالم السنه موري، وعن الشيخ السنهوري شيخ التتائي، وأبي الحسن الشاذلي، شارح الرسالة، وهو عن العلاّمة البساطي، وهو عن تاج الدين بهرام الدميري، وهو عن شيخه العلاّمة خليل ابن إسحاق، وهو شيخه قطب الزمان سيّدي عبد الله المانوفي بسنده المشهور، وقد أخذ الشيخ عليّ ابن محمّد النويري، وهو عن الشيخ السنهوري، المذكور أيضا، عن الشيخ طاهر بن عليّ ابن محمّد النرفيري، وهو عن الشيخ حسين بن عليّ، وعن الشيخ أبي العبّاس أحمد بن عمر ابن هلال الذهبي، وهو عن قاضي القضاة فخر الدين بن المخلّطة، وهو عن أبي حفص عمر بن فرّاح الكندي، وهو عن أبي بكر من محمّد بن الوليد ابن خلف الطرطوشي، وهو عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وعن الإمام مكي القيسي الأندلسي، وهو عن الإمام أبي محمّد بن عبد الله ابن أبي زيد القيرواني، وهو عن الإمام أبي بكر ابن محمّد ابن اللباد الإفريقي، وهو عن الإمام يحيى الكناي، صاحب اختلاف ابن القاسم وأشهب، وهو عن الإمام سحنون والإمام عبد الملك الأندلسي، وهو عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري والإمام أشهب بن العزيز العامري القيسي، وهما عن إمام الأئمّة، وحبر الأمّة الإمام مالك بن أنس، وهو عن ربيعة عن أنس بن مالك، خادم نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتفقّه نافع عن مولاه عبد الله بن عمر، كلاهما عن سيّد أهل الدنيا والآخرة محمّد بن عبد الله ابن عبد المطلّب، صلّى الله عليه وسلّم، وهو قد جاءه الوحي عن ربّ العالمين، بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، قال ذلك وكـتبه الفقير الحقير محمّد بن عبد الرحمن الأزهريّ، المتقدّم ذكره، الزواوي إقليما، المالكي مذهبا، غفر الله ذنوبه، آمين والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما، إنتهت السلسلة على خصوص الشريعة بحمد الله وحسن نوعه، واستانتا السلسلة على خصوص الطريقة كما أجازني إن شاء الله ثمّ أجبته أيضا و أجزته في خصوص الطريقة كما أجازني فيهما معا فقلت بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وآله وصحبه أجمعين، وعلى سائر أئمّة المجتهدين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد فقد التمس مني الأخ الصالح العامل الفاضل الكامل العارف السيّد عبد الرحمن بن أحمد ابن حمّوده ابن مامش الجزائريّ مولدا القسنطيني مسكنا المتقدّم ذكره وتسطيره قريبا، إجازة أن يعطي أورادها لمن طلبه فيها أو هو الطالب لغيره، أي معناه سواء كان طالبا أو مطلوبا، وأن ينيب غيره لأنّ المطلوب انتشار الورد وإكثاره عملا بقوله صلّى الله عليه وسلّم، لو شئتم أقسم لكم أن أحبّكم إلى الله تعالى ... نقلتها عن صورة غير تامّة لمخطوطة، عساها تتمّ بفضل الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بطاقة من الشيخ المذكور رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله من محمّد بن عبد الرحمن الأزهري مجاورة القجطولي قبيلة الإسماعيلي عرشا، إلى العارف بربّه العزيز الذائق ما ذقته ( لعلّها ذاقته ) أسود الرجال الوقت، حبيبنا في الله تعالى قطب زمانه، وفريد عصره، أخينا في الله سيّدي عبد العزيز، أعزّ الله مقامات الجميع، بجاه النبيّ الشفيع، سلام الله عليكم ومن تعلّق بكم، سلام تامّ في كلّ وقت، لاسيما أوقات الحاجات، وبعد السلام التّام والتحيّة والإكرام، كيف أنتم، وكيف حالكم، ونحن على خير إن كنتم فيه أنتم، جعلنا الله وإيّاكم من سعداء الدارين بجاه أفضل المرسلين . ومرادنا من جزيل فضلك، إن تفضّلت علينا، تمشي مع ولدنا سيّدي سليمان بن معمّر، تشتري لنا معه عبدا أو عبدين، ما عندي من يخدمنا هنا في بيتنا [ بحيث ] ويرجع معك سالما غانما إن شاء الله في الذهاب والإياب، وإن رضيت بما ذكر فأرسل إلينا بطاقة عاجلا عاجلا بلا تطويل، وإن لم ترض به، فأعلمنا أيضا به لنصبر لله، و ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه * تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن، كذا، فما ذكر لبلوغ الحبّ إذا بلغ الحبّ سقط الأدب، كما لا يخفى، وقد قيل للنبيء صلّى الله عليه وسلّم، أدعو لنا يا رسول الله الله تعالى يعيننا على الخلق، فقال لا نقول هكذا وإنّما نقول الله يغنينا عن الأشرار، وأمّا الأخيار تحتاج بعضها بعضا، كما لا يخفاكم، ثمّ نحن على محبّة الله دائما، لتنفع يوم ينادي المنادي غدا يوم القيامة، أين المتحابّون في الله، إشفعوا بعضكم بعضا، ونحن أيضا نتكاثر ونتذاكر ولوقت الضيق في الدارين، إن رضيت فأعلمنا عاجلا، رزقنا الله وإيّاكم العفو والعافية وحسن الخاتمة، آمين بجاه أفضل المرسلين والسلام على القاريء والسامع، تمّ، أيضا ثمّ أنصحك لله إن كنت ذا ورد فكثّر منه، وإلاّ فخذه، و( لا ) تبقى خاليا منه أصلا، ثمّ كثّر منه دائما، فعلى قدر الورد يتأتى الوارد، ومن لم يكن ( ذا ) ورد يفتتن بمرض فتنة الأكوان، ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان، كما لا يخفاكم، ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا، والسلام . بطاقة ثانية له أيضا نفعنا الله به آمين الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله كثيرا كثيرا كثيرا من محمّد بن عبد الرحمن الأزهري مجاورة الإسماعيلي عرشا إلى أخينا في الله وحبيبنا من أجله، أخينا سيّدي عبد العزيز بن الطيّب، ومن تعلّق بالجانبين سلام الله عليكم كثير السلام، وبعد السلام التامّ والتحية والإكرام، فقد بلغني مكتوبك ، وحمدت الله على سلامتك، أنت ومن تعلّق بك، ورضيت وفرحت بإرادتك الانتقال إلى المسيلة، وهو المبتغى عندي يا سعيد الدنيا والدين، من أراد الله له بخير ينقله من البادية الجافية الدنيا والدين، إلى الحضرية [ وأصلتها ] وذلك المراد أبعد الله عند العوارض عن سائر مراداتك في أحوال الدنيا والدين بجاه أفضل المرسلين آمين . وقد وصلني التمر الذي أرسلته لنا بارك الله فيكم أجمعين، وما اعتذرت لي عنه من قلّته وليس بقليل فكثير، لا تحقر، ولله إلاّ فرحت بهذا التمر الأخير، والتمر الأوّل، حيث فكّرتني به مرتين، وهو دليل على مواصلة عجيبة، كذا سعادة الدارين لمن لم يعص لي أمرا في كلّ زمان ومكان، ولما هي من لم له يكن ورد، يفتتن بمرض فتنة الأكوان، ومن لم له شيخ فشيخه الشيطان، ولما قيل، يا خادم الجسم قد تشقى بخدمته * وتطلب الربح فيما فيه خسران * فارجع إلى النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان، ومن تمهّر في شيء هتر به استهتار المجانين مثلي، واعذرني بتطويل جوابي هذا لك من عدم الامكان بما يعلمه الله ونحن على محبّة الله تعالى [ صول ] والأكمل أخذ الورد لك أو لمن معك، والسلام على كلّ واقف، كتبته عاجلا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن الشيخ سيّدي محمّد بن عبد الرحمن الأزهري
الشيخ محمّد بن عبد الرحمن الجرجري معروف أيضا بنسبته إلى زواوة وإلى الأزهر الزواوي والأزهري . وهو من قبيلة آيت إسماعيل من عرش قشطولة . وتاريخ يملاده غير متّفق عليه، ولكنّ بعضهم قدّره بين 1127 و 1142 هـ . وقد توفي بالجزائر سنة 1208 . وبعد أن تعلّم بزاوية الشيخ الصدّيق بن اعراب بآيت ايراثن، توجّه إلى المشرق حوالي 1152 هـ، حيث ظلّ مدّة طويلة، قدّرها بعضهم بثلاثين سنة، وقدّرها آخرون بربع قرن . ومن أساتذته في الأزهر : سالم النفراوي، وعمر الطحلاوي، وحسن الجداوي، والعمروسي . ثمّ عاد الأزهريّ حوالي سنة 1177 هـ إلى قريته آيت إسماعيل لنشر أفكاره وطريقته بين أهل بلاده، وأسّس زاويته هناك . ويقال أنّه قد تلقّى تعاليم الطريقة الخلوتيّة على الشيخ محمّد بن سالم الحفناوي، عندما كان بالقاهرة [ أو مكّة ] * . وقد أمره شيخه أن ينشرها في الهند والسودان . وفي رسالة من الأزهري إلى بلحسن اليوسفي، نقيبه في تونس، قال أنّه قد أقام ستّ سنوات في دارفور بالسودان، الذي توجّه إليه بأمر شيخه الحفناوي ليقريء السلطان هناك . ومن تلاميذه الذين منحهم الإجازة أثناء اقامته في الجزائر بلقاسم بن محمّد المعاتقي الذي رفعه إلى رتـبة مقدّم الطريقة، والشيخ العابد بن العلا الشرشالي . وقد انتشرت تعاليم الأزهري في الجزائر، وخصوصا في شرقها ووسطها وفي تونس، وأصبح لها كثير من الأتباع عشيّة الاحتلال الفرنسي. وأدّت زاوية الأزهريّ خدمة هامّة في نشر التعليم أيضا، فقد كان لها عدد من الأساتذة في حياة الأزهريّ نفسه . ومن هؤلاء الشيخ أحمد بن الصالح الرحموني، الذي وضع سنة 1212 هـ رجزا في الفقه استعمله قضاة جرجرة . وقبل وفاة الأزهريّ، عيّن خليفته على الزاوية، وهو الشيخ عليّ بن عيسى المغربي، وترك له جميع كتيه وأرضه وأوقاف الزاوية وغير ذلك . وأشهد على ذلك أهل آيت إسماعيل ، وقد ظلّ الشيخ عليّ بن عيسى يدبّر الزاوية تعليما وطريقة من سنة 1208 هـ إلى 1251 هـ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلا بتصرّف عن تاريخ الجزائر الثقافي من القرن العاشر إلى الرابع عشر الهجريّ [16 ـ 20 م]، للدكتور أبو القاسم سعد الله، الجزء الأوّل، ص 514، 515، 516 . طبعة 1981، الصادرة عن الشركة الوطنيّة للنشر والتوزيع .
*أقول، في هذه الرسائل ما يثبت هذه المعلومة.


إعداد: محمّد فؤاد

الأربعاء، 25 مارس، 2009

المقدمة الوثيقة لمعرفة بعض أحكام الطريقة

المقدمة الوثيقة لمعرفة بعض أحكام الطريقة
لمؤلّف مجهول




تعليق
محمّد فؤاد بن الخليل القاسميّ الحسنيّ









الإيداع القانونيّ: 1584-2005.
الرقم الدوليّ: 4-2-9604-9960ISBN: .
الرقم الموضوعيّ: 260.
الموضوع: تصوّف.
العنوان: المقدّمة الوثيقة لمعرفة بعض أحكام الطريقة.
المؤلّف: مجهول.
تعليق: محمّد فؤاد القاسميّ الحسنيّ.
عدد الصفحات: 24.
حجم الصفحة: 15×22.
الطبعة: الأولى. 1425/2005
الغلاف: صورة من الصفحة الأولى من المخطوط.
جميع الحقوق محفوظة لدار الخليل القاسميّ للنشر والتوزيع. ص . ب: 86. بوسعادة. ولاية المسيلة 28200. الجزائر.
الهاتف: 81 09 25 077.




تمهيد
الحمد لله ربّ السماوات وربّ الأرض ربّ العالمين وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين وخلفائه الراشدين والأنصار والمهاجرين وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
وقال الرسول الكريم سيّدنا ومولانا محمّد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: {?إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ?} رواه الإمام البخاريّ. وقال( : {تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ?} رواه الإمام مالك. وقال (: {اَلْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ} رواه الإمام مسلم. وقال (: {الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ}? رواه الإمام الترمذيّ. وقال (: {?إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ?} رواه الإمام أحمد.
وقال شيخ الطائفة أبو القاسم الجنيد: (الطرق كلّها مسدودة على الخلق إلاّ على من اقتفى أثر الرسول (.) وقال أبو نصر بشر الحافي: (التصوّف اسم لثلاث معان، وهو أن لا يغطي نورُ معرفة العارف نورَ ورعه، وأن لا يتكلّم في علم باطن ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنّة، وأن لا تحمله الكرامات على هـتك أستار محارم الله). وقال أبو يزيد البسطاميّ: (لا تغترّوا بأحد حتّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنّهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة). وقال ابن أبي الحواريّ الدمشقيّ: (من عمل عملا بلا اتّباع سنّة رسول الله ( فباطل عمله). وقال أبو بكر الطمستانيّ: (من صحب منّا الكتاب والسنّة وتغرّب عن نفسه والخلق، وهاجر بقلبه إلى الله، فهو الصادق المصيب). وقال ذو النون المصريّ: (من علامات المحبّ لله متابعة حبيب الله ( في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه). وقال أبو العبّاس بن عطاء الآدميّ: (من ألزم نفسه آداب الشريعة، نوّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ( في أوامره وأفعاله وأخلاقه). وقال أبو بكر الكتّانيّ البغداديّ: (التصوّف خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوّف). وقال أبو محمّد الجريريّ: (التصوّف هو الدخول في كلّ خلق سنيّ والخروج من كلّ خلق دنيّ). وقال محمّد بن عليّ القصّاب: (التصوّف أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم من رجل كريم مع قوم كرام). وقال أبو الحسن أحمد النوريّ: (ليس التصوّف رسوما ولا علوما، وإنّما هو أخلاق). وقال أبو محمّد رويم: (التصوّف استرسال النفس مع الله على ما يريد). وقال أبو القاسم النصرآباذيّ: (التصوّف ملازمة الكتاب والسنّة وترك الأهواء والبدع). وقال أبو عثمان النيسابوريّ: (من أمّر السنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة). وقال أبو سليمان الدارانيّ: (إنّه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلاّ بشاهدين, الكتاب والسنّة). وقال أبو عمرو بن نجيد: (كلّ وَجْدٍ لا يشهد له الكتاب والسنّة فهو باطل). وقال الحارث بن أسد المحاسبيّ: (من صحّح باطنه بالمراقبة والإخلاص زيّن الله ظاهره بالمجاهدة واتّباع السنّة). وقال سهل بن عبد الله التستريّ: (لا مُعين على ما نحن فيه إلاّ الله تعالى، ولا دليل إلاّ رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا زاد إلاّ التقوى، ولا علم إلاّ علم مردود إلى أصول ثابتة من الكتاب والسنّة). وقال أبو بكر الشبليّ: (خلاف السنّة في الظاهر نفاق في الباطن). وقال أبو القاسم الجنيد: (من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث، لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأنّ علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنّة). وقال أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ: (...إنّ المسلمين بعد رسول الله (، لم يتسمّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله (، إذ لا فضيلة فوقها، فقيل لهم الصحابة. ولمّا أدركهم أهل العصر الثاني، سمّي من صحب الصحابة التابعين، ورأوا ذلك أشرف سمة. ثمّ قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثمّ اختلف النّاس وتباينت المراتب، فقيل لخواصّ النّاس، ممّن لهم شدّة عناية بأمر الدين الزهّاد والعبّاد؛ ثمّ ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكلّ طريق ادّعوا أنّ فيهم زهّادا، فانفرد خواصّ أهل السنّة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف...).
بعد الآية والحديث، كلمات للسّادة الصوفيّة، قدّمناها للتعريف بالتصوّف، على رسالة ظفرنا بها، اقتبس صاحبها، الذي لم نعرفه، من نور كلام الله عزّ وجلّ، وحديث الأمين( ، ما شاء الله له، فكساها الله رداء القبول، بحول ذي الحول، وددنا نشرها، لما حوته من فوائد في وجازة وبيان، وحاولنا وضع تعليق عليها للتوضيح والتصويب والتأصيل.
وتعليقنا على هذه المقدّمة سيكون بإذن الله مختصرا، نقتصر فيه على تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، مكتفين بذكر ورودها في أحد الصحاح أو غيرها، ونقيّد فيه بعض ما ظهر لنا، متجاوزين ما كان أكبر منّا، متباعدين عن الحشو والإطناب في ذكر المراجع، إذ المقصود الاستفادة بالتعليق، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وننبّه في البدء إلى أنّ الكلمات ما بين قوسين [...] في الرسالة خرمت بعض حروفها الأرضة، فأثبتنا ما رأيناه موافقا للسياق، والحروف المتبقية.
وصف المخطوط
كتبت الرسالة بخطّ فارسيّ جميل، وبمداد أسود وفواصل حمراء، نسخها موسى بن محمّد، عام 935هـ، الموافق 1529م، بمدرسة قاضي بلدة أماسية، بتركيا، في خمس ورقات، في كلّ صفحة 19 سطرا، وفي كلّ سطر نحو تسع كلمات، مقاس المخطوط 190/130ملم، ومقاس النصّ 140/70ملم، والورق شرقيّ الصنع من ثمانية ألياف أفقيّة فرديّة، والتجليد أصليّ مزهر الوسط واللّسان، وهي ضمن مجموع في التصوّف.
وتجدر الإشارة إلى أنّنا راجعنا في إطار البحث عن نسخة أخرى للمقابلة، كثيرا من فهارس المخطوطات العربيّة ومخطوطات التصوّف ولم نعثر على طائل[1].

قال المصنّف رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم[2]. هذه مقدمة[3] وثيقة[4] لمعرفة[5] بعض أحكام[6] الطريقة[7] وعلى الله قصد السبيل. الحمد لله الذي خلقنا مسلمين، وجعلنا من أمّة سيّد الأوّلين والآخرين[8]. والذي أرسله رحمة للعالمين، وجعله منّة[9] على المؤمنين، وأنزل عليه في محكم كتابه المبين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10]، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريّته وتابعه ومحبّه إلى يوم الدين، وارحمنا واحشرنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين، الحمد لله ربّ العالمين.
فصل
اعلم يا أخي حفظنا الله وإيّاكم من كلّ سوء، وجمع لنا ولكم بين خيري الدارين بجاه [سيّد] الكونين[10] أنّ أوّل قدم يضعه السالك[11] في طريق الآخرة ممّا لا بدّ له منه قطعا، العلم والتوبة بشروطها، وهي أربعة: ردّ المظالم[12]، واجتناب المحارم، والندم على ما فات، والإقلاع[13] في الوقت على الفور والعزم، على أن لا يعود كما لا يعود اللّبن إلى الضرع، وهذا من أعظم أركان الطريق، وعليه مدار الأصول[14] وبناء الفصول[15] فإنّها واجبة بدليل قوله تعالى جلّ وعلا: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[النور: 31 ]، {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، وقوله عليه السلام: {توبوا فإنّي أتوب في اليوم والليلة مائة مرّة}، وفي رواية {ألف مرّة}[16]، وما حُرم من حُرم الوصول، إلاّ بتضييع الأصول، ولا وصول إلاّ على قدم الرسول[17]. وأقسام التوبة كثيرة، مجملها ثلاثة، توبة من الذّات[18]، وتوبة من ملاحظ الخلق في الطاعات[19]، وتوبة من رؤية الحسنات[20]، هذا بحسب هذا التقسيم، ?وفوق كلّ ذي علم عليم.
فصل
أيّها الأخ في الله والموفّق من عند الله؛ إنّ القدم الثاني هي النيّة[21] الصالحة، فإنّها رأس كلّ عبادة[22]، بصحّتها تصحّ الأعمال، وتفسد بفسادها، وهي أصل قويّ، بدليل قوله عليه السلام: {نيّة المؤمن [خير من] عمله}[23]، وقول مولانا جلّ جلاله: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}[الإسراء: 84]، أي على نيّته[24]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}[المجادلة: 12]، أي نيّة صالحة[25]، إلى غير ذلك من الأدلّة. وفي النيّة سبع سؤالات نظمها بعضهم في بيتين، وهي، قال:
سبع سؤالات أتت في نيّة ~ تكفي لمن حاولها بلا وسن
حقيقة، حكم، محلّ، وزمن ~ كيفيّة، شرط، ومقصود حسن
فصل
القدم الثالث هو جهاد النفس[26]، ومخالفتها في شهواتها، وترك ما أمكن من مألوفاتها وعاداتها، مع العلم والصفح والتجاوز والإحسان إلى من أساء، والشفقة على خلق الله، والتواضع والمسكنة، وحمل الأذى، وترك الأذى بطيب نفس وصفاء قلب، تأسيّا[27] بالمرشد الأعظم والحبيب المقدّم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وإعمالا[28] بما ورد في سنّته عن خواصّ أمّته، وقوله عليه السلام: {أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، قالوا ومن هو أبو ضمضم يا رسول الله، فقال كان إذا أصبح يقول اللهمّ إنّي وهبت عرضي ونفسي ومالي لك، لا أضرب من ضربني، ولا أشتم من شتمني، ولا أظلم من ظلمني}[29]، وهذا سبيل كلّ سالك عند الكمّل من أهل السلوك وإليه يرشدون وعليه يتحاضّون، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران: 134]، فإنّ [الـشهوات] من المهلكات، قال الله تعالى في آياته البيّنات: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ}، الآية [مريم: 59]، وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَىفَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 و41]، وقال بعض المشايخ رحمة الله عليه:
عليك بقمع النفس عن كلّ شهوة ~ تعوّض بنور في فؤادك بارق
فإن لم تجد نورا لُمِ[30] النفس واعلمنّ ~ بأنّك في دعواك لست بصادق
وما دمت عند الخلق تختار رفعة~ فلا تطمعن في رفعة عند خالق
وأبلغ من ذاك ما وعظنا به أحكم الحاكمين في كتابه المبين: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
فصل
القدم الرابع محاسبة النفس في جميع عاداتها وعباداتها، إعمالا بقوله عليه الصلاة والسلام: {حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا}[31]، وقوله عليه الصلاة والسلام: {لا يحلّ لامرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم على أمر حتّى يعلم حكم الله تعالى فيه}[32]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} الآية [الحشر: 18]، وقوله جلّ وعلا: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} الآية [الإسراء: 36]، إلى غير ذلك حسب ما هو معلوم عند [أهله]، ونسأل الله أن يمنّ علينا لك من فضله بفضله إنّه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير[33].
فصل
القدم الخامس دوام الذكر سرّا وجهرا امتثالا لأمر الله عزّ وجلّ، قال عزّ من قائل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا.وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 41-44]، هذا كلّه جزاؤهم على ذكره، وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، وقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} الآية [آل عمران: 191]، وقال عليه الصلاة والسلام: {أفضل ما قلته أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاّ الله}[34]، وقال عليه الصلاة والسلام: {ألا وإنّ القلوب لتصدأ كما يصدأ[35] الحديد، قيل فما جلاؤها يا رسول الله، قال ذكر الله}[36]، وفي بعض مناجاة السيّد موسى عليه السلام أنّه قال: {يا ربّ علّمني شيئا أتقرّب به إليك، قال يا موسى قل لا إله إلاّ الله، قال موسى عليه السلام يا ربي كلّ عبادك يقولون لا إله إلاّ الله، وإنّما أريد شيئا تخصّني به دون عبادك، قال الله تعالى وعزّتي وجلالي لو وضعت السماوات والأرض ومن فيهنّ في كفّة ووُضعت لا إله إلاّ الله في كفّة لرجحت عليهن لا إله إلاّ الله}[37]، وقال بعض الأقطاب: (الذكر منشور الولاية من أعطيه فقد أعطي منشور الولاية، ومن حرمه [فقد] حرم منشور الولاية)[38]، وقال بعض المشايخ: (علامة طرد العارف انقطاع الذكر)[39]، وقال جلّ من قائل: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الآية [الكهف: 28]. وأقسام الغفلة كثيرة مجملها ثلاثة: غفلة عن الذكر[40]، وغفلة عن ملاحظة الذكر في نفس الذكر[41]، وغفلة عن شهود الذكر من الله على لسان عبده[42]، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافّات: 61]، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطفّفين: 26]، والله الموفّق، وفي أقلّ من هذا القدر كفاية، فإنّ هذه النبوّة بنيت على الاختصار {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
فصل
القدم السادس هو المراقبة[43]، قال جلّ من قائل: {فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ} [الدخان: 59]، وقال: {وَلاَ تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]، وقال جلّ جلاله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. والمراقبة لها معنيان، أحدهما حفظ القلب من أطوار المذمومة[44]، والثاني ملاحظة الحقّ في كلّ حال. ثمّ اعلم يا أخي أنّ للقلب بحسب الإدراكات[45] حركات خفيّة، ألا وهي الخواطر[46]، وتسمّى عند القوم بالواردات[47]، وعند آخرين بالوقائع، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام: خاطر شيطانيّ، وخاطر نفسانيّ، وخاطر ملكيّ، وخاطر رحمانيّ، فإن خطر خاطر بالجحود والانكار والمعاصي، فهو شيطانيّ، ويسمّى وسواسا، وإن خطر خاطر باللّذات والشهوات [من] المباحات فهو نفسانيّ ويسمّي هاجسا[48]، وإن خطر خاطر بالميل إلى الطاعات والعبادات والقربات فهو ملكيّ، ويسمّى إلهاما، وإن خطر خاطر بالهيـبة والعظمة واليقين فهو رحمانيّ، ويسمّى إلقاء[49]. وسبب اشتباه هذه على المريد أربعة أشياء: أحدها عدم معرفة النفس في أخلاقها. الثاني قسوة القلب وضعف اليقين. الثالث متابعة الهوى[50] باخترام[51] قواعد الشرع. الرابع محبّة الدنيا وطلب الرفعة عند أهلها. فمن حفظ هذه الأربعة فقد فاز بالمقصود والدرجة القصوى. ولا بدّ في الجملة من مرشد عارف بالداء والدواء، يخبر المريد بجميع ما يرد عليه، والشيخ يدفع عنه ذلك الوارد، إمّا بطريق الاستدلال[52]، وإمّا بطريق الحال[53]، {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 13]، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126، والأنفال: 10]، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} [هود: 88]، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].
فصل
القدم السابع فراغ القلب من الشواغل[54] بكلّ ممكن، وأن لا يعلّق باطنه بشيء من أحوال الطريق، فيكون ممّن عبد الله على حرف[55]، نعوذ بالله، ففي الحديث الشريف: {إنّا لا نؤتي أمرنا هذا من طلبه}[56]، بل يكون طلبه في سلوكه أن يعبد الله كما وجب عليه، والذي قُسم له في الأزل يأتيه، قال جلّ من قائل: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ} [القصص: 61]، قال بعض أهل الطريق رضي الله عنّا بهم[57]:

يا من يرى الأحوال أحلى غرامه ~ ويفرح بالوجه الدنيّ وبالأُمْنيِّ[59]
لو كنت من أهل الوجود حقيقةً[58]~ لَغِبْتَ[60] عن الأكوان[61] والعرش[62] والكرسيّ[63]
وكنت بلا حال مع الله واقفا ~ خَلِيًّا[64] عن التذكار للرمز والحسيّ[65]

وقال بعضهم:
خلوة[66] [العاشق] [67] قلبٌ شاهدٌ[68]~ لجمال الحق من حيث رمق[71]
وهواه فيه تجريد[69] السِّوَى[70] ~ كائنا في كونه كيف اتّفق

فإنّ كثيرا من المريدين محجوبون في سلوكه بغرض من الأغراض، إمّا خلافة أو رياسة، وإمّا كرامة، وإمّا تصرّفا ووجاهة[72] عند الخلق إلى غير ذلك، وهذا عمل معلّق يُخاف على صاحب هذا الحال من الحرمان أو من الاستدراج، نعوذ بالله، قال جلّ من قائل: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} الآية [الحج: 11]، وقال جلّ وعلا: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]، وفي الحديث الشريف: {إنّ الرجلين ليصلّيان الصلاة[73] الواحدة في الصفّ الواحد، وأمّا بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض}[74]، وهذا مثل يدلّنا على مثله في كلّ عبادة، ووجه القياس[75] صحيح، والله أعلم.
فصل
القدم الثامن، وهو الثابت في الأقدام، وسبب النجاة في الإقدام إلى دار السلام {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71]، ويا له من إمام محبّة[76] مرشدٍ عارفٍ داعٍ إلى الله على بصيرة ناصحٍ صادقٍ مخلصٍ، نصيحةُ مريده لله لا لعلّة، ومتى ما لاحظ في إرشاده لمريده أجرةً أو هيبةً أو خدمةً في الدنيا وأجراً في الآخرة لا يصلح الإرشاد ولا ينتفع به، قال جلّ من قائل، معلّما لنا بنبيّه من باب تربية الأدنى بالأعلى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الشورى: 23]، وهذا سبيل كلّ مربٍّ كامل. ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه [الكمال][77] وأنّ الله يرزقه على يده، فإنّ الله تعالى يعطيه على نيّته، ففي الحديث الشريف: {إنّما يعطى الرجل على قدر نيّته}[78]، وفي الحديث الشريف: {نيّة المؤمن خير من عمله}[79]، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ويجب على المريد أن يكون واقفا عند أمر شيخه ونهيه بالتسليم[80] الكليّ ظاهرا وباطنا من غير دليل[81]، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النّساء: 65]، فالتصوّف[82] مبنيّ على التسليم والتصديق، وعلم الظاهر[83] مبنيّ على البحث والتحقيق، {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60 والأعراف: 160]، ويكفينا في هذا المحلّ من الدليل التامّ ما كان من قصّة موسى مع الخضر عليهما السلام وعلى نبيّنا وسائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام[84]. ويجب عليه أن يحفظ حرمته في الغيبة والحضور، وأن يحفظ وصيّته، وأن لا يعترض عليه ظاهرا وباطنا. كان الصحابة رضي الله عنهم يقولون: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله)، وكان يقول صلّى الله عليه وسلّم: {لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله ونفسه وولده}[85]. قد أورد القشيريّ[86] في رسالته عن السلطان إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه[87] قال: (صحبت ألف شيخ[88] منهم الجنيد[89] وغيره، وكلّ منهم أسأله الوصول إلى الله فيقول لي: يا إبراهيم عليك بخمسة أشياء؛ أن تخرج حبّ الدنيا من قلبك، وحبّ الرياسة من رأسك، وأن لا تجالس أبناء الدنيا، وأن لا تصحب الأحداث، وأن تحفظ حرمة المشايخ، قال ففعلتهنّ بتوفيق الله فحصل لي مرادي بعون الله)، {هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ} [إبراهيم: 52]، وقد أمرنا مولانا بصحبتهم، فقال جلّ من قائل في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، والصدق له علامات، فمن علاماته ما ورد عن أهل الطريق، قالوا: (الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له من قلوب الخلق من أجل إصلاح قلبه، ولا يحبّ اطّلاع النّاس على مثاقيل الذرّة من حسن عمله، ويكره أن يطّلع النّاس على السرّ من عمله) [90]، نسأل الله ذلك من فضله بفضله، قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21]، {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40]، نسأل الله الخلاص بالإخلاص[91] والقبول والرضا وحسن الخاتمة، {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8]، يا نعم المولى ويا نعم النصير، وقد تيسّر بعض الغرض بعون الله وحسن توفيقه، ولكن في غاية الإيجاز والاختصار للضرورة الداعية بالسرعة، وعلّقت على عجل منّي، وستلحق إن شاء الله تعالى بوصيّة أبسط في المباني وأوسع في الشروط والأحكام والمعاني، ونسأله أن يجعلها وسيلة إلى رضاه بجاه نبيّه ومصطفاه والصالحين من عباده وأولياه[92]، {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النّساء: 70]، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله أجمعين، وتابعه إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين.
تمّت المقدّمة. [93]
--- --- ---
الهوامش
[1] راجعنا في هذا الإطار الآتي: فهرسة الأوقاف العامّة ببغداد والموصل والمكتبة العبّاسيّة في البصرة بالعراق، ودار الكتب والمكتبة الخديويّة بمصر، والمكتبة الظاهريّة بدمشق، ومخطوطات الأردن ومصوّراتها، ومخطوطات إيران، ومخطوطات السعوديّة ومصوّراتها، ومخطوطات اليمن، ومخطوطات سلطنة عمان، ومخطوطات قطر، ومخطوطات ليبيا، ومخطوطات المكتبة الأحمديّة بتونس، ومخطوطات الجزائر، ومخطوطات ولاية أدرار، ومخطوطات الخزانة الحسنيّة وخزانة القرويين بالمغرب، ومخطوطات سراييفو، وأهمّ مخطوطات طشقند، والمخطوطات العربيّة في مكتبة باريس، ومخطوطات سلطنة عمان، ولم نعثر على هذا العنوان. وللتحرّي وضعنا احتمال وجوده تحت عنـوان رسالة في التصوّف، ومخطوط في التصوّف، وكتاب في التصوّف، فأوصلنا هذا إلى العثور على نسخة في العراق تحت عنوان رسالة في التصوّف، مجهولة المؤلّف، لها نفس الاستهلال، أوّلها الحمد لله الذي خلقنا مسلمين وجعلنا من أمّة سيّد الأوّلين والآخرين الذي أرسله رحمة للعالمين... نسخها عبد الغنيّ المغربيّ النابلسيّ، في أربع ورقات، بمقاس: 15/21س، رقم التسجيل [2836/5مجاميع]، رقم الفهرسة 3687، في الصفحة 373 من الجزء الثاني، من فهرس المخطوطات العربيّة في مكتبة الأوقاف العامّة في بغداد، إعداد عبد الله الجبوريّ، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1974م.
[2] شرح البسملة موجود في كلّ التفاسير فلا داعي لنقله، وإنّما نشير فقط إلى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: {كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع} النوويّ.
[3] المقدّمات عند علماء العرب المسلمين كانت لكلّ علوم الشريعة الإسلاميّة أصولها وفروعها، «كمقدّمة ابن آجرّوم» في النحو، و«مقدّمة» ابن رشد في الفقه، و«مقدّمة» ابن خلدون في التاريخ، وكذا في المنطق والصرف والكلام وما إلى ذلك. وفي «لسان العرب»: من قدّم بمعنى تقدّم، وقد استعير لكلّ شيء فقيل: مقدّمة الكتاب ومقدّمة الكلام بكسر الدال، قال: وقد تفتح. وقيل: مقدّمة كلّ شيء أوله، ومقدّم كلّ شيء نقيض مؤخره.. وفي «تعريفات» الجرجاني: مقدّمة الكتاب ما يذكر فيه قبل الشروع في المقصود لارتباطها، ومقدّمة العلم ما يتوقف عليه الشروع، فمقدّمة الكتاب أعمّ من مقدّمة العلم، بينهما عموم وخصوص مطلق.
[4] الوثيقة من الوثوق، أي المتانة والصلابة والقوّة، وتكون لأحد مشتقّاتها أيضا وهو الثقة. وفي «لسان العرب»: الوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة والجمع الوثائق. وفي حديث الدعاء: واخلع وثائق أفئدتهم، جمع وثاق أو وثيقة. والوثيق: الشيء المحكم والجمع وثاق. ويقال: أخذ بالوثيقة في أمره، أي بالثقة وتوثّق في أمره: مثله. ووثقت الشيء توثيقا فهو موثق. والوثيقة: الإحكام في الأمر، والجمع وثيق. وعندي أن الوثيق ههنا إنّما هو العهد الوثيق وقد أوثقه ووثقه وإنه لموثق الخلق. اهـ
[5] المعرفة ما وضع ليدل على شيء بعينه، والمعرفة أيضا إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تعالى بالعالم دون العارف.
[6] الأحكام، جمع حكم، وفي «التعريفات»: الحكم إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا.
[7] الطريقة هي السبيل المقيّد بالكتاب والسنّة الموصل إلى رضا الله. وعند الجرجاني: الطريق هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب، وعند اصطلاح أهل الحقيقة عبارة عن مراسم الله تعالى وأحكامه التكليفية المشروعة التي لا رخصة فيها، فإن تتبع الرخص سبب لتنفيس الطبيعة المقتضية للوقفة والفترة في الطريق. وقال: الطريقة هي السيرة المختصّة بالسالكين إلى الله تعالى من قطع المنازل والترقي في المقامات. اهـ وقال بعض السادة الصوفيّة: عدد الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلق. اهـ وكلّهم مقتد برسول الله (، ومعلوم أن لا أحد من الخلق له أن يدرك محمّدا (، فترى المسلمين يتنافسون في الاقتداء به في عبادته وخُلقه وسننه، من بعد الأركان، كلّ حسب طاقته وطبيعته، والنوافل من جنس الفرائض، فمنهم من يسّر الله له الصلاة فأكثر من نوافلها، ومنهم من في الصيام صام الدهر أو أدنى، ومنهم في الزكوات والصدقات، ومنهم في الحجّ والعمرة، ومنهم في حسن الخلق، ومنهم في الذكر الذي هو من أعظم العبادات المتأكّدة على كلّ مسلم بدرجاتها المعروفة، إلى غير ذلك من عبادته وعبوديّته وسائر أوصافه الشريفة التي لا تستقصى عليه صلوات الله وسلامه. فمن وصل منهم إلى الله بكثرة الصلاة كانت تلك طريقته، ومن وصل بالصيام كان ذاك، ودواليك، والظاهر أنّ معظم من وصل إنّما وصل بأيسر الطرق إلى الله، ألا وهو الذكر، وهو في الحقيقة ليس من أيسرها، بل من أعظمها، لأنّه إنّما يكون في أكمل أوجهه بدوام ذكر الله بالقلب، وهو الذي تنشأ عنه المشاهدة لله في كلّ حين، وذلك هو مقام الإحسان الذي قال عنه رسول الله (: {أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك} رواه البخاري. ولابن عجيبة الحسينيّ كلام نفيس حول ما يقرب هذا المعنى، في كتابه «موقظ الهمم» عند قول السكندريّ: (ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه)، قال رحمه الله: (ومن تأمّل الأحاديث النبويّة وجدها على هذا المنوال، لأنّ النبيّ ( كان سيّد العارفين وقدوة المربّين، فكان يقرّ الناس على ما أقامهم الله في حكمتهم، ويرغّبهم فيها، فلذلك تجد الأحاديث متعارضة ولا تعارض في الحقيقة، فإذا نظرت في أحاديث الذكر قلت لا أفضل منه، وإذا نظرت في أحاديث الجهاد قلت لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث فضل العلم قلت لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث الزهد والتجريد من أسباب الدنيا قلت لا أفضل منه، و إذا نظرت في أحاديث الكسب والخدمة على العيال، كذلك، فكلّ حكمة رغّب النبيّ ( فيها حتّى تقول لا أفضل منها، تطييبا لخاطر أهلها، ليكونوا فيها على بيّنة من ربّهم، ولم يأمرهم عليه السلام بالانتقال عنها، إذ مراد الله منهم هو تلك الحكمة، فأقرّهم عليه السلام عليها ورغّبهم فيها، حتّى يظنّ من يسمع أحاديثها أنّه لا أفضل منها، وهو كذلك، إذ لا أفضل منها في حقّ أهلها). اهـ.
[8] قوله: سيّد الأوّلين. دليله قول رسول الله (: {أنا سيّد ولد آدم ولا فخر). رواه أبو داود وابن ماجة وابن حنبل. وقوله: والآخرين. دليله قول رسول الله (: {أنا سيّد الناس يوم القيامة}. رواه البخاريّ ومسلم والترمذيّ والدارميّ وابن حنبل. وروى ابن حنبل أيضا في مسند عبد الله بن عبّاس، من مسند بني هاشم، في حديث ذي العقيصتين، الطويل، أنّه قال في حضرة الرسول ( وصحابته رضوان الله عليهم: {... وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا رسول الله...}. ولم ينكر عليه رسول الله ولا أحد من الصحابة، كما لم يعلّق عليه ابن القيّم في كتابه، وسيأتي في قوله الكونين، وهما الأولى والأخرى، فليُلاحظ ذلك.
[9] منّة عليهم: أي نعمة عليهم بغير تعب منهم.
[10] قوله : بجاه.. فيه توسّل، ودليله قوله ( لمّا اقترف آدم الخطيئة: {قال يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...} الحديث، أخرجه الحاكم. وقوله ( للضرير قل: {اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد...} الحديث، رواه النسائيّ والترمذيّ. وقوله في دعائه (: {بحقّ نبيّك والأنبياء من قبلي..}. الحديث، رواه البيهقيّ، قاله النبهانيّ. وراجع حديث عثمان بن حنيف في الترغيب في صلاة الحاجة، وفيه التوسّل بالنبيّ ( بعد وفاته. رواه الطبرانيّ. وروى العجلونيّ في «كشف الخفاء» عن ابن باشكوال، عن عمر ابن الخطّاب، مرفوعا، قال قال رسول الله (: (أكثروا الصلاة عليّ في اللّيلة الزهراء واليوم الأغرّ، فإنّ صلاتكم تُعرض عليّ، فأدعو لكم وأستغفر). وجاء في مسند الإمام أحمد, في باقي مسند المكثرين, من مسند أنس بن مالك, وانفرد به الإمام أحمد قال: {قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّ أعمالكم تُعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا اللهمّ لا تمتهم حتّى تهديهم كما هديتنا}، وفي هذا كفاية والله أعلم.
[11] السالك: هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه وتصوّره، فكان العلم الحاصل له عينا يأبى من ورود الشبهة المضلّة له.
[12] في الأصل: ردّ الظالم، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
[13] كتب على الهامش: الإقلاع الكفّ والامتناع عن الشيء.
[14] الأصول: جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، ولا يبنى هو على غيره، والأصل ما يثبت حكمه بنفسه، ويبنى عليه غيره.
[15] الفصول: جمع فصل، وهو الفرع، وهو ما يبنى على غيره، وهو الجزء من الكلّ.
[16] رواه البخاريّ ولفظه: أكثر من سبعين مرّة. ومسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد بن حنبل.
[17] أي على أثر الرسول باتّباع سنّته (، وانظر قول الجنيد وغيره من أعلام التصوّف في التمهيد.
[18] التوبة من الذّات: هي الندم بالقلب والاستغفار باللّسان والإقلاع بالبدن والعزم على ترك العود والتبرأ من الذات إلى حول الله وقوّته إيمانا وإقرارا وعملا. والله أعلم.
[19] التوبة من ملاحظ الخلق في الطاعات: أي التوبة من الرياء، وهو الشرك الخفيّ.
[20] التوبة من رؤية الحسنات: أي التوبة من الاغترار بما أكرمه الله به لئلاّ يكون ذلك استدراجا.
[21] النيّة: هي عقد القلب على إيجاد الفعل جزما.
[22] إشارة إلى الحديث: {إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى..} متّفق عليه، وقال الإمام النوويّ عنه، هذا الحديث عليه مدار الإسلام، وكذا الإمام البخاري، ولذلك افتتح به كتابه «الجامع».
[23] رواه الديلميّ والقرطبيّ والقسطلانيّ. ورواه ابن عبد البرّ بلفظ: نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الفاجر شرّ من عمله وكلّ يعمل على نيّته. ورواه الشيباني والقضاعيّ والحكيم الترمذيّ وأبو نعيم بلفظ: نيّة المؤمن أبلغ من عمله. ورواه الطبرانيّ والهيثميّ بلفظ: نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيّته، وكلّ يعمل على نيّته، فإذا عمل المؤمن عملا ثار في قلبه نور. وذكره الزرقاني والمباركفوريّ والخطيب البغداديّ وأبو الفرج والسيوطيّ والصنعانيّ والآمديّ، وقال البيهقيّ إسناده ضعيف. وروى الخالديّ: من حسنت نيّته صلح عمله. وروى النوويّ عن ابن عبّاس قال: إنّما يحفظ الرجل على قدر نيّته. وقال قال غيره: إنّما يعطى الناس على قدر نيّاتهم.
[24] هذا رأي الحسن البصريّ وقتادة، قاله القرطبيّ.
[25] تفسير غريب لم نعثر عليه إلاّ في «الفواتح الإلهيّة» للشيخ علوان النخجوانيّ، قال: فإن لم تجدوا صدقة فنيّة حسنة. وفي «تفسير ابن عربي» قال: فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة، أي تقديم الانسلاخ من الأفعال والصفات والتجرّد عن الخارجيّات من الأسباب والأموال وقطع التعلّقات المسمّى بالترك، ثمّ محو الآثار والهيئات الباقية منها في النفس المسمّى بالتجريد عندهم، ثمّ قطع النظر عن أفعاله وصفاته والترقّي إلى مقام الروح في الأوّل، ومقام القلب في الثاني، حتّى يصفو له مقام التناجي مع النبيّ (، في الأسرار الإلهيّة والمسارّة القلبيّة في الأمور الكشفيّة.
[26] جهاد النفس: هو حملها على المشاقّ البدنيّة ومخالفة الهوى على كلّ حال.
[27] كتب على الهامش بالتركيّة: تشبّها معناسنه.. وقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}. [الأحزاب: 21].
[28] إعمالا: أي وعملا بكذا، وأعمل فلان ذهنه في كذا وكذا: إذا دبّره بفهمه. وأعمل رأيه وآلته ولسانه واستعمله: عمل به فهو مستعمل. نقلا عن «الصحاح». وفي «لسان العرب»: والعمل: المهنة والفعل، والجمع أعمال، عمل عملا وأعمله غيره واستعمله واعتمل الرجل: عمل بنفسه.
[29] رواه ابن السني عن أنس في «عمل اليوم والليلة».
[30] كتب على الهامش: لفظ لُمْ، أمر من اللّوم.
[31] رواه الترمذيّ عن عمر بن الخطّاب، قال: {حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر، وإنّما يخفّ الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا}. أورده بعد حديث رسول الله (: {الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت}.
[32] لعلّه قاعدة فقهيّة وليس حديثا.. أوردها الأخضريّ في مختصره، والزرقاني في شرح الموطّأ، قال: يجب على كلّ أحد أن لا يفعل شيئا حتّى يعلم حكم الله فيه.
[33] قوله: يمنّ علينا لك... كذا في الأصل، ولعلّه لفنائه، حيث لم ير نفسه شيئا، وإنّما هو واسطة يصل بها الفضل من الله إلى خلقه ويمنّ لهم بها عليه. والله أعلم.
[34] رواه الإمام مالك والترمذيّ.
[35] في الأصل تصدى ويصدى، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
[36] رواه البيهقي بلفظ: {إنّ للقلوب صدأ كصدأ النحاس، وجلاؤها الاستغفار}.
[37] رواه النسائيّ وابن حبّان والحاكم، كلّهم من طريق درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ (، ورواه يوسف الكوراني وغيره بسند صحيح ـ قاله الخالديّ ـ عن الإمام عليّ كرّم الله وجهه. وبهذه الصيغة وصيّة نوح لابنه وغيره من رواية النسائي والحاكم عن رجل من الأنصار، كلّها في «الترغيب والترهيب» للمنذري، إلاّ رواية الكورانيّ.
[38] نسب القشيريّ والكمشخانويّ هذه الحكمة لأبي عليّ الدقّاق، قال: الذكر منشور الولاية، فمن وفّق للذكر فقد أوتي المنشور، ومن سلب الذكر فقد عزل.
[39] نسب القشيريّ هذه الحكمة للنوريّ قال: لكلّ شيء عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر، ونسبها الكمشخانويّ لذي النون المصريّ، قال: عقوبة العارف انقطاعه عن الذكر. ونسبها الشعرانيّ لكليهما، وعند ذي النون بلفظ: لكلّ شيء علامة، وعلامة طرد العارف عن حضرة الله تعالى انقطاعه عن ذكر الله عزّ وجلّ.
[40] أي: الانقطاع عن الذكر مطلقا.
[41] أي: الذكر باللّسان دون القلب.
[42] أي: الذكر بالجوارح مع اعتقاد أنّ القوّة من الذاكر لا من الحق سبحانه.
[43] المراقبة: هي استدامة علم العبد باطّلاع الربّ عليه في جميع الأحوال.
[44] كذا في الأصل، ولعلّ الصواب: الأطوار المذمومة، إن لم تكن المذمومة كناية عن الدنيا، والطور: الهيئة والحال، والناس أطوار، أصناف وحالات، ويقال: طور بعد طور، أي فترة بعد فترة.
[45] الإدراكات: جمع إدراك، وهو إحاطة الشيء بكماله، وحصول الصورة عند النفس، وتمثيل حقيقة الشيء وحده من غير حكم عليه بنفي أو إثبات.
[46] الخواطر: جمع خاطر، وهو ما يرد على القلب والضمير من الخطاب ربّانيّا كان أو ملكيّا أو نفسيّا أو شيطانيّا، من غير إقامة، وقد يكون كلّ وارد لا تعمّل للعبد فيه.
[47] الواردات: جمع وارد، وهو ما يرد على القلوب من الخواطر من غير تعمّد.
[48] في الأصل: هاجر. والتصويب عن «التعريفات للجرجانيّ».
[49] هذه الاصطلاحات الواردة هنا، شرحها موافق «لتعريفات» السيّد الشريف و«اصطلاحات» ابن عربيّ
[50] في الأصل: الهوا. ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
[51] اخترام: من خرم، خرق واخترق.
[52] الاستدلال: من الدلّ، وهو التوجيه والارشاد، ومنه: الدالّ على الخير كفاعله، والاستدلال، هو تقرير الدليل لإثبات المدلول.
[53] الحال: هو ما يرد على القلب من غير تعمّد ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول، ويعقبه المثل بعد المثل إلى أن يصفو، وقد لا يعقبه المثل، وقيل الحال تغيّر الأوصاف على العبد. والأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود، هذا التعريف الاصطلاحيّ، والمراد هنا والله أعلم الشيوخ الذين وصفهم السكندريّ في «الحكم» بقوله (لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلّك على الله مقاله)، أيّ أنّ تربيته لمريده تكون بالفعل لا بالقول فقط.
[54] الشواغل: جمع شاغل، وهو ما ألهى.
[55] إشارة إلى قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف...} [الحجّ: 11].
[56] رواه البخاري ومسلم بلفظ: {إنّا لا نولي على هذا العمل من سأله}.
[57] نسب القشيريّ الأبيات الآتية، في باب الهيبة والأنس لأبي سعيد الخرّاز، في حكاية، بلفظ: أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ~ ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس ~ فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ~ لغبت عن الأكوان والعرش والكرسيّ ~ وكنت بلا حال مع الله واقفا ~ تصان عن التذكار للجنّ والإنس.
[58] أهل الوجود: هم الذين فقدوا أوصاف البشريّة بوجود الحقّ، لأنّه لا بقاء للبشريّة عند ظهور سلطان الحقيقة، قيل: وجودي أن أغيب عن الوجود ~ بما يبدو عليّ من الشهود.
[59] الدنيّ: من الدناءة، الذلّة والخسّة. والأمنيّ: من الأمنية، الرغبة، قيل: إنّ الأماني والأحلام تضليل.
[60] غبت: من الغيبة، وهي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لشغل الحسّ بما ورد عليه.
[61] الأكوان: جمع كون، وهو كلّ أمر وجوديّ، وهو عبارة عن وجود العالم من حيث هو عالم، لا من حيث أنّه حقّ.
[62] العرش: هو الجسم المحيط بجميع الأجسام، وهو مستوى الأسماء المقيّدة.
[63] الكرسيّ: هو موضع الأمر والنهي.
[64] الخليّ: مفرد أخلياء، وهو الفارغ.
[65] الرمز: الإشارة والإيماء، والحسيّ: نسبة إلى الحسّ الناتج من عمل الحواسّ الخمس، وهو كناية عن الأشباح التي لا وجود في الحقيقة لها، ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل. ولعلّها الحس.
[66] الخلوة: محادثة السرّ مع الحقّ، حيث لا مَلك ولا أحد سواه.
[67] هذه الكلمة ظهر بعضها فقط في المخطوط، وهي الراجحة لهذا الموضع، والعشق درجة عالية من الحبّ.
[68] الشاهد: الذي يرى الأشياء بدلائل التوحيد، ويرى الحقّ في الأشياء.
[69] التجريد: إماطة السوى والكون عن القلب والسرّ، إذا لا حجاب سوى الصور الكونيّة.
[70] في الأصل: السوا. ولعلّ الصواب ما أثبتناه، والسوى تحتمل عدّة معان، منها العدل والمثل والوسط، والغير، وهي هنا بمعنى الغير.
[71] رمق يرمق: أبصر يبصر.
[72] الوجاهة: من الوجه، يقال وجوه البلد، ورجل وجيه.
[73] في الأصل: إنّ الرجلان ليصليان في الصلاة الواحدة... ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
[74] رواه أبو نعيم في حلية الأولياء، ولفظه: {إنّ القوم ليكونون في الصلاة الواحدة، وإنّ بينهم كما بين السماء والأرض}.
[75] القياس: في اللغة عبارة عن التقدير، يقال قست النعل بالنعل، إذا قدّرته، وهو عبارة عن ردّ الشيء إلى نظيره، وفي الشريعة، عبارة عن المعنى المستنبط من النصّ لتعدية الحكم من المنصوص عليه إلى غيره، وهو الجمع بين الأصل والفرع في الحكم.
[76] هذا رأي الإمام عليّ وأبي عبيدة عليهما رضوان الله. قاله القرطبيّ.
[77] الكلمة غير واضحة في الأصل، ولعلّ الصواب ما أثبتناه.
[78] راجع تخريج هذا الحديث في الفصل الثاني.
[79] راجع تخريج هذا الحديث في الفصل الثاني.
[80] التسليم: هو الانقياد لأمر الله تعالى، وترك الاعتراض فيما لا يلائم.
[81] أي من غير طلب الدليل من الشيخ المربّي والمرشد على ما فعل أو ما أمر به أتباعه، والحقيقة أنّ هذه العقيدة ممّا ينكره الكثير على السادة الصوفيّة، بحجّة أنّ الصحابة عليهم رضوان الله كانوا يسألون الرسول (، وأنّ سيّدنا إبراهيم ( سأل ربّه، وغير ذلك ممّا يستندون إليه في ردّ هذه القاعدة التي تعتبر من أهم قواعد التربية لدى الصوفيّة. ودليلهم ـ أي الصوفيّة ـ على ذلك الآية الآتية في المتن، وهي كافية دون شكّ. ثمّ لنا أن نبسّط لمن تعذّر عليه بالمثال وبه يتّضح إن شاء الله المقال، فالمؤسسات العسكريّة ـ وهي أكثر المؤسسات تنظيما ـ في كلّ نظم العالم تعتمد على الضبط والانقياد التام لأوامر ذوي الرتب العالية، وليس من حقّ الجنديّ، أو مجموعة الجنود، أن يسألوا قائدهم عن علّة أمره لهم بسدّ ذلك الثغر مثلا في مكان معيّن، وفي وقت معيّن، إذ هو أدرى منهم بما لديه من خبرة ووسائل ماديّة بالمصلحة العامّة، وربّما الخاصة أيضا، التي اقتضت أمره الذي أطلقه. وكما أنّ العسكر لهم أعداء يدافعونهم عن أنفسهم وعن جيوشهم وعن أوطانهم، فلشيوخ التربية أيضا خبرة ووسائل يستشعرون بها مكامن أعدائهم من شياطين الإنس والجنّ، فيدافعونهم عن أنفسهم وعن أتباعهم بما يأمرون. ثمّ إنّ هذا الأسلوب الذي اتّخذوه من استبعاد المساءلة والمجادلة، إنّما كان منطلقه في زمن عمّ فيه الجهل والتعالم، فكان ذلك منهم، من باب ترك المجادلة والحفاظ على الوقت، إذ القاعدة لديهم أنّ (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، و(نفسك إن لم تشغلها بالحقّ شغلتك بالباطل)، ومعلوم أنّ المجادلة تؤدّي في الغالب إلى ضياع الوقت وربّما إلى باطل، فوق أنّها منشأة للخصومة والمراء وغير ذلك. ثمّ إنّ شيوخ التربية المرشدين العلماء الربّانيّين المقتفين لأثر رسول الله ( لا يأمرون إلاّ بما كان مستطاعا في حدود الشريعة الإسلاميّة، ومن ادّعى غير ذلك إمّا أن يكون مبطلا، وإمّا أن يكون متحدّثا عن من لا ينتمي إلى هذه الطائفة الخيّرة. والله أعلم.
[82] التصوّف: هو الوقوف مع الآداب الشرعيّة ظاهرا وباطنا، وهي الأخلاق الإلهيّة. ابن عربي.
[83] علم الظاهر: عبارة عند أهل التحقيق عن أعيان الممكنات. الجرجانيّ.
[84] يشير إلى الآيات الكريمة من 60 إلى 82 من سورة الكهف.
[85] رواه البخاريّ ومسلم والنسائيّ وابن ماجة وابن حنبل.
[86] هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوريّ القشيريّ: 376­465هـ/ 986­1072م، من كبار الصوفيّة، ترك عدّة تآليف منها: «الرسالة القشيريّة»، و«لطائف الإشارات والتيسير» في التفسير، وغيرها.
[87] هو أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور التميميّ البلخيّ، توفي سنة 161هـ/778م، من كبار الصوفيّة، يلقّب بالسلطان.
[88] الراجح أنّه ليس لإبراهيم بن أدهم، لأنّه سبق الجنيد، وربّما يكون إبراهيم بن شيبان أو إبراهيم الخوّاص، والأرجح أنّه إبراهيم بن داود الرقيّ، لأنّه عمّر طويلا وصحب أكثر المشايخ، ولم نجد غير هذا في تراجمهم في «الرسالة القشيريّة». وما وجدناه فيها، منسوب إلى الفتح الموصليّ بعبارة مشابهة.
[89] هو أبو القاسم الجنيد بن محمّد بن الجنيد القواريريّ البغداديّ، توفي سنة: 297هـ/910م. من كبار الصوفية ويلقّب بسيّد الطائفة.
[90] من كلام الحارث بن أسد المحاسبيّ، رواه الإمام النوويّ في الإخلاص من كتاب «الأذكار».
[91] قال الجنيد: الإخلاص ما أريد به الله من أيّ عمل كان، رواه الكلاباذيّ.
[92] وأولياه، جريا مع السجع، والمراد: وأوليائه، جمع وليّ، قال تعالى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62]، وجاء في الحديث القدسيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله (: {إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ} انفرد به البخاريّ. وعن معاذ ابن جبل قال قال رسول الله ( : {إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ} انفرد به ابن ماجة.
[93] وافق الفراغ من وضع التعليق على هذه المقدّمة الوثيقة فاتح ربيع الأنور من عام 1422 للهجرة، وكتبه محمّد فؤاد بن الخليل القاسميّ الحسنيّ. مصليّا ومسلّما على النبيّ وآله، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
---------------